يا ويلي مما سأرى!!
بقلم: م. يحيى | ديسمبر 5, 2009
كنت قد كتبت بعد أن زرت فلسطين في إبريل من العام الماضي مقالاً بعنوان “يا ويلي مما رأيت“. وبعد أن عدت من زيارتي الأخيرة لأهلي في فلسطين (يوليو 2009)، جلست طويلاً أبحث عن عنوان جديد لمقال عن تجربتي الحديثة.. ولكني لم أجد أفضل من العنوان السابق ذاته! و قد نويت أن يكون هذا المقال تكملة للمقال السابق.. أي أن يكون العنوان ” يا ويلي مما رأيت 2″. ولكن الأيام مرت دون أن أنشر هذا المقال. أما الآن وبمناسبة عودتي للوطن العزيز فقد قمت بتعديله ليصبح “يا ويلي مما سأرى!!”. قبل أن أبدأ، دعوني أولاً أن أؤكد مرة أخرى أني هنا لست بصدد الحديث عن الإحتلال الصهيوني النازي وقبضته الخانقة على أعناق الفلسطينيين – التي تزداد شدة يوماً بعد يوم – وإنما عن حالة وحقيقة أهلي و أبناء بلدي الذين رأيتهم وحدثتهم وحاورتهم..
وحتى تتضح الصورة سأحكي لكم بعض القصص والحكايات التي حدثت معي شخصياً خلال هذه الزيارة الأخيرة (يوليو 2009) ومن ثم سأحاول تحليلها بإختصار. سأبدأ بقصتي مع جار لي لنسميه أحمد. أحمد رجل متعلّم ومثقف من خريج جامعة بيرزيت و هو أيضاً رجل متدين معروف بقوة إيمانه وصلاته. رآني أحمد في الشارع في اليوم الأول من وصولي. وبعد الترحيب والقبلات – كما هي العادة - قال لي أحمد بنبرة إستخفاف: “أرجو أن لا تكون قد أحضرت معك إنفلونزا الخنازير؟!”. و قد إستغربت جداً من طريقة التعليق. و قد كانت الحقيقة – والتي إتضحت لي بعد ذلك – أن أحمد أراد أن يسألني: “هل تأكل لحم الخنزير؟” فهو كالكثيرين من الفقهاء والمسلمين يعتقد أن إنفلونزا الخنازير ناتجة عن أكل لحم الخنازير!!
قد تبدو لكم هذه القصة للوهلة الأولى عابرة لا تستحق وخصوصاً أني قادم من الغرب. ولكن لو نظرنا لها – ولكثير من القصص المماثلة – من زوايا مختلفة لوجدنا مشاكل جمّة. أول شيئ مشكلة الخرافة. هذا الرجل المتعلم والمثقف بسبب إيمانه بإسلام الشافعي الزائف مقتنع بأن أكل لحم الخنازير هو السبب وراء الإنفلونزا رغم عدم وجود أي دليل علمي على ذلك. فما يسمعه في خطب السفهاء من فقهائنا في الجوامع وما يقرأه في مواقعهم على الإنترنت هو ما يجعله يؤمن بهذه الخرافة.
أما من الزاوية الإنثروبولوجية فلو حللنا هذه الحادثة لوصلنا إلى مرض إجتماعي سأسميه “مرض اللغة المبّطنة” أو الخلط بين “الظاهر” و”المضمون” في اللغة. هذا النوع من الحديث و “ضرب الكلام” هو مرض بلا شك. فلو كنتم تمتلكون الثقة والجرأة لقلتم ما تعتقدون دون الحاجة إلى اللف والدوران. فماذا سيحدث لو سألني أحمد مباشرة: هل تأكل لحم الخنزير؟؟ ولكن للأسف كل حديث شاركت به أثناء زيارتي كان تقريباً من هذا القبيل. أي أنه كان مليئاً بمثل هذه الجمل والكلمات المبطنة. الكلمات المستخدمة (الظاهرة) أمر والمقصود منها (المضمون) أمر آخر كلياً… بل قد يكون المقصود هو العكس تماماً! تخيّل أن كل مرة يقول لك شخص “أنا أحبك” لا تدري إن كان يقصد أنا أكرهك أم أنا أحبك أم شيئ آخر مختلف إطلاقاً. ما المغزى من اللغة إذاً؟ لماذا الحديث أصلاً ما دمتم لا تعنوا ما تقولون ولا تقولون ما تعنوا. الأفضل لكم الخراس!
وهذا الأمر يأتي بنا إلى مرض آخر: مرض “ضرورة كسب الجولات الكلامية” و “إستعراض العضلات بالكلام” و “ضرورة الإطاحة بالآخر بالكلام”، وكأن الشخص منهم لا يمكن له أن يفرض ويثبت مكانته وشخصيته ورجولته وحقه بالوجود إلا عن طريق كسب المعارك الكلامية هذه. وبالطبع كله كلام في كلام والكثير منه – إن لم يكن كله – كلام تافه و كاذب زائف غير حقيقي وغير صحيح. فقد وجدت الكثير من المنظريين والمتفلسفين – وخصوصاً الليبراليين منهم – في فلسطين ولكن ريثما تراجع حياتهم تجدهم لا يطبقوا أي شيئ من يدّعون أنه معتقداتهم على الإطلاق. أو على الأقل إذا طبّقوها على أنفسهم لم يسمحوا لزوجاتهم أو أخواتهم بتطبيقها. هذا إضافة إلى أنك إذا جلست تتحدث مع المتدينين منهم وأصحاب صلاة اليوغا حلف لك مئة يمين زائف وطلّق عشرون زوجة في خمسة دقائق وإذا جلست مع غير المتدينين كفّر الواحد منهم مئة مرة في عشرة دقائق بل وتسابقوا فيما بينهم على شتم الذات الإلهية والتكفير. والكل يتعارك من أجل الحديث ويصرّخ من أجل حقه في الكلام و يقضي خمسة دقائق وهو يوضح لك لماذا يجب أن يتكلم هو قبل غيره.. وخمسة دقائق أخرى مقدمات وحواشي لما يريد أن يقول قبل أن يقول أي شيئ مفيد – إن كان فعلاً لديه شيئ مفيد يقوله.
هذا إذا كان هناك أمر يمكن لهم الحديث عنه أصلاً. أما إذا تحدثت معهم في أمور الثقافة الإسلامية و التاريخ فسرعان ما تدرك أنك أمام صم بكم لا يفكرون ولا يعقلون. فقد حدث مرة أني كنت جالساً بين سبعة شباب معظمهم من الذين يصلون ويعتقدون أن الطريق للسعادة هي سجدة لله، ورأيت متكة سجائر عليها صورة محفورة لقبر سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه! فتفاجأت وقلت لصديق لي كان يجلس بجواري “أنظر كم أصبحنا سُنّة متعصبون!!” فسأل صديقي: ما رأي الإخوة في هذا الأمر؟ وماذا يعرفون عن الفتنة الكبرى والصراع بين عليّ ومعاوية؟؟ وللأسف، لم تكن الإجابة الصمت فقط بل خرج خمسة أشخاص من الغرفة مباشرة دون سبب أو تعليق! عندما يأتي الحديث عن العلم والثقافة والتاريخ يشرد هؤولاء “المؤمنون”. أما لو كان الموضوع عن آخر أغنية طاقعة أو فيديو كليب ساقط أو تصميم سيارة أو نادي كرة قدم لجلسوا وتحدثوا معك حتى الصباح!
أما عندما حدثت أهل العلم والمعرفة والخبرة و ذو المكانة الإجتماعية والإحترام، فقد وجدت عندهم مرض ما أبغض منه مرض. فعندما تسألهم سؤال.. أي كان.. تاريخي أو فلسفي أو سياسي إلخ.. فإن الإجابة ما لبث أن تتحول إلى فلم “أكشن” بطلها المتحدث! فلو كانت إجابة السؤال هي سبعة دقائق فإن الدقيقة الأولى ستكون حول موضوع السؤال والست دقائق الأخرى هي عن المتحدث الخبير وماذا حدث معه في يوم من الأيام! وبالرغم من أن هذه القصص والحكايات قد تكون حقيقية إلا أنها ولا مرة كانت تخلو من “التبهير” و”التضخيم” الذي يجعلك تشعر أنك أمام بطل من أبطال أفلام هوليوود! بل إنك لو قمت بتسجيل الإجابة لوجدت أنها تحتوي على كلمة “أنا” مئتين مرة أو أكثر! مرض العظمة هذا يجعل حتى من الحقيقة أمر غير وارد وغير واقعي.. فلو إكتفى الأخ بمشاركة خبراته وتجاربه كما هي للاقى إحترام المستمع وتقديره دون أن يحتاج إلى إستعراض عضلاته بهذه الطريقة الإستعلائية السخيفة… ولكن مرض إستعراض العضلات بالكلام يلاحق حتى المثقفين المتعلمين.
وبأتي بنا هذا الحديث إلى مرض إجتماعي آخر هو مرض “التبهير” والمزايدة والتضخيم. أنظر المثال التالي: لنفترض أنك تتحدث إلى شخصين وتقول: قرأت أن طفلاً عمره 9 سنوات صعد جبل طوله 1200 متراً. بعد يومين تجد أن أحد أصحابك روى أنه هو قرأ قصة عن طفل عمره 7 سنوات صعد جبل طوله 2100 متر! ثم تسمع أن شخصاً آخر نقل القصة وقال أنه قرأ عن طفل عمره 5 سنوات تسلق جبل طويل جداً طوله 12000 متراً! ما هذا؟؟ أليس بكذب وتلفيق وتضخيم وتبهير لا مكان له! أليس بمرض إجتماعي؟؟ ما الخطأ لو نقل الحكاية عن الراوي الأصلي كما هي. ما الخطأ في أن يقول نسيت بالضبط طول الجبل! لماذا عليكم أن تتنافسوا فيما بينكم بهذا الطريقة المقرفة! أي ثقافة بالية أنتم تتبعون؟؟
هذا و لم تخلو زيارتي من قصص وحكايات تتعلق بالزواج والمرأة والجنس والزنا وما إلى ذلك بالطبع. فكما حدثتكم من قبل، الهوس بالزواج وترتيبه لأولادهم وأولاد الآخرين هو نتاج الكبت الجنسي عندهم! ولا أريد أن أدخل هنا في تفاصيل هذه الحكايات وحيثياتها، وذلك ليس إحتراماً للأشخاص المعنيين كما قد يتوهم البعض، بل لأنها أسخف من أن تُنشر على مقطوعات! يكفي أن تعلم مثلاً أن رجل متزوج وعنده أولاد يجلس في بيت أقربائه حتى منتصف الليل عله يتحدث (أو أكثر!) مع إمرأة محجبة غريبة تزورهم “أعطته عين”، وأن رجل في الخمسينات من عمره “يتلحس” دون كلل أو ملل وراء نساء بعمر بناته أو أقل!!
وإن لم تتضح لكم الصورة، سأحكي لكم قصة في هذا المضمار حدثت معي في رام الله. خلال زيارتي لفلسطين زارني صديق لي نصف إنجليزي نصف فلسطيني. وقد قررت أن أعزمه على أحد مطاعم رام الله المشهورة. وبما أني لا أعرف رام الله تماماً قضينا بعض الوقت نبحث عن المطعم. وخلال سيرنا على الأقدام بحثاً عن المطعم لم نستطع إلا وأن نشاهد إمرأة فاتنة مع رجل يبدو أنه زوجها. ولكن، يبدو أن هذه المرأة لم تكن تعرف رام الله أو تتوقع الذهاب لها، فارتدت تنورة قصيرة بعض الشيئ. و بالرغم من أن تنورتها تصل إلى ما بعد الركبتين إلا أن إنفعالات وردود فعل الرجال في الشارع كان وكأنها إمرأة عارية تماماً… الصغير والمراهق.. والكبير والمسن.. حتى المتزوج الماشي مع زوجته وأولاده.. كلهم “إلتوحت” رقابهم وهم ينظرون عليها. حتى قوات دايتون وحرس شرطة الديكتاتور عباس الذين يسكرون و يطعرصون في تل أبيب كل يوم إلتوحت رقابهم. السير تعطل والسيارات توقفت والتجار توقفوا عن الصراخ والعربانات التي عادة لا ترى أحد أمامها أضحت تمشي ببطء! كان منظر سريالي بكل معنى الكلمة… بالضبط كأنك وضعت أنثى في مزرعة حيوانات ذكور لم يشاهدوا أنثى من قبل!! هذا ناهيك عن التطقيس وتطقيع الكلام الذي يشمئز له البدن. هذه بإختصار هي رام الله التي رأيت ورآها صديقي: مزرعة حيوانات لا أكثر!
ناهيك وبالطبع أن في رام الله الفقيرة هناك طبقة تاجرت في دم الشهداء والمصابين وصيحات الأمهات والمعتقلين المعذبين، يسوقون سيارات الشبح والجيب وكأنهم في أمريكا. منظر رهيب فعلاً أن ترى بين كل خمسون سيارة خردة يخرج الدخان الكثيف منها وتتأرجح في الشارع، وبين عربات الحمير والأحصنة، سيارة فخمة غامقة النوافذ من أحدث الأنواع وأفخمها. ولم لا؟ فلكل مزرعة حيوانات صاحب. وهؤولاء هم أصحاب المزرعة اليوم!
وقد سألني أحدهم قبل سفري: كيف يمكنك أن تغيّر عادات وتقاليد متبعة منذ مئات السنين؟ كيف لك أن تغيّر من رجل في السبعين من عمره؟ فقلت: لا بد أولاً أن يأتي من يُري هؤلاء حقيقتهم كما هي علّهم يتفكرون.. فإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم!!














ديسمبر 6, 2009 الساعة 10:02 م
عزيزي الكاتب أغلب ما ذكرته هو في خانه “المعروف” فهذه حالنا بالفعل إنما أعارضك بنظرتك المتشائمة وأسلوبك الفوقي نوعاً ما وكذلك لم يعجبني تهكمك الغير مبرر على “الإسلام الشافعي” كما تسميه. مجتمعنا مريض وهذا ليس إكتشافاً جديداً فيا حبذى لو أنك تبذل مجهود كتابي في عرض حلول منطقيه وواقعيه بدل العرض المكشوف والتهكم من المرضى. وأخيراً آمل أن تتقبل تعليقي بما فيه من إنتقاد وشكراً..
ديسمبر 7, 2009 الساعة 6:45 ص
أهلاً بك يا فريد.. ليس لديّ مشكلة في تقبل إنتقادك ورأيك..
ولكن أرجو أن تتعلم أن كلمة “غير” لا تقبل ال التعريف إلا إذا كانت في نهاية الجملة… وعليه لا يمكنك أن تقول في العربية “الغير مبرر” بل “غير المبرر”..
تحياتي..
ديسمبر 7, 2009 الساعة 8:50 ص
ويا لهول ما سترى وتسمع من تعليقات…
ديسمبر 9, 2009 الساعة 3:15 ص
قواعد اللغه مهمه ولكن الماهيه أهم. دعك من البحث عن أخطائي القواعديه وتطرق إلى المضمون. لا تعجبني نظرتك للأمور فمن ملاحظتك هذه فهمت من أين نبعت السطحية في مقالك هذا. تعتبر نفسك فوق المجتمع؟ حسناً. لماذا؟ لأنك تعرف أن “غير” لا تقبل ال؟
ديسمبر 9, 2009 الساعة 8:00 ص
لا يا فريد. أنا مجرد إنسان يجتهد. قد أخطئ وقد أصيب.. إن أخطأت فلي حسنة وإن أصبت فلي حسنتين.
لك الحق أن تعتقد عني ما تشاء. بل إني سأتعجب لو أنك وافقت معي.. رغم أن كل ما قمت به هو أني وصفت ما رأيت وما شعرت وما أعتقد أنه صحيح. إذا كنت فعلاً تبحث عن حلول فإن أول ما أنصحك به هو أن تنفتح على أفكار جديدة لم تعتاد عليها.. كأن تقبل بوجود أشخاص مثلي لا يعتقدون أن كل الحديث وحي أو أنه كله جزء من الشريعة وأن الشافعي وأمثاله وتعلقنا بما أتو به من سفاهة وتهافت هو علة العلل والمصيبة الكبرى!
أنظر مقالي “تهافت الفقهاء: نحو إعادة بناء الفقه الإسلامي” وسترى أني أجتهد أيضاً في وضع الحلول وليس فقط بتشخيص الأمراض كما تزعم..
ديسمبر 9, 2009 الساعة 10:02 ص
أولاً حضرتك لا تعرفني شخصياً حتى تقرر بأني لا أتقبل أفكار جديده وأنا لست بصدد أن أدافع عن هذه التهمه. وثانياً لم تفهم قصدي من وراء إنتقادي لإنتقادك للإسلام الشافعي كما تسميه. فأنا أقدر الشافعي لما بذل من إجتهاد لتسهيل الحياه – الشريعه. إنما أتأسف على من تبعه بتبني آرائه على أساس خاطىء وكأن المذهب أصبح ديناً جديداً ولا أرى أن هناك ضير باتباع بعض الآراء من هذا وبعض من ذاك او حتى أن لا يتبع مذهب أصلاً.. فإن كان هذا مقصدك فليس لي إلا أن أتفق معك. وإنتقادي “للفوقيه” التي لمستها من مقالك لأن مثل هذا الوصف لحالنا تجده في كل مكان وعند كل عربي حتى من أولئك الذين لم يقرأوا كتاباً ولا جربوا عالماً ومجتمعاً آخر غير عالمنا ومجتمعنا. أرى هناك وجه شبه بين فحوى مقالك وفحوى قصه “قنديل أم هاشم”… سأقرأ جميع مقالاتك هنا حين يسمح لي وقتي… وقدماً..
ديسمبر 9, 2009 الساعة 11:47 ص
إنها ليست بتهمة يا فريد وأنا لم أقرر شيئ بل كانت مجرد نصيحة لا أكثر. أنت من يتهمني بالفوقية و السطحية. أما بالنسبة للشافعي فستعرف قصدي بالضبط عبر المقال المذكور. أخيراً.. فإني لا أرى أوجه شبه بين المشاكل الإجتماعية هنا وبين قصة “قنديل أم هاشم” على الإطلاق..
على أية حال، يبدو لي أن علينا هنا أن نتفق بأن نختلف..
تحياتي لك.