آخر التدوينات »
الأكثر تعليقاً »

حرب الفرقان: تقييم إستراتيجي

بقلم: م. يحيى | يناير 19, 2009


الجزيرة ©

بعد أن أعلنت إسرائيل وقف إطلاق النار من جانب واحد، وبعد أن وافقت فصائل المقاومة الفلسطينية على ذلك وأمهلت إسرائيل أسبوعاً للخروج من قطاع غزة، يبدو لي أن الوقت قد حان لمراجعة أحداث هذه الحرب – والتي أسمتها المقاومة الفلسطينية حرب الفرقان – ودراستها وتحليلها من الناحية الإستراتيجية العسكرية والسياسية، من أجل إستخلاص الدروس والعبر و محاولة تحديد تداعياتها ونتائجها، مما قد يساهم بإستشراف مستقبل الصراع. وبالرغم من أن هذه الحرب لم تنتهي بشكل كامل بعد، إلا أنني أعتقد – وبعد أكثر من ثلاثة وعشرون يوماً من القتال –  أن الملامح الأساسية لنتائج هذه الحرب وللدروس والعبر المتمخضة عنها باتت ترتسم وبوضوح.

المحتويات

سأقوم في هذه الدراسة بتقييم إستراتيجي لهذا العدوان من ناحيتين إثنتين: أولًا من الناحية السياسية عن طريق تحليل الإطار الإستراتيجي السياسي للحرب، وثانياً من الناحية العسكرية، عبر تحديد معالم الخطة الهجومية الإسرائيلية وأجندتها وأهدافها ومقارنتها بخطة دفاع المقاومة الفلسطينية، و عبر النظر إلى مسار هذه الحرب في الميدان، من أجل إستشفاء نتائجها وتداعياتها الإستراتيجية السياسية والعسكرية، القريبة والبعيدة الأمد.

الإطار السياسي للحرب على غزة 

لا بد أولاً، وقبل الخوض في تفاصيل الخطة الحربية الإسرائيلية، من تحديد الإطار السياسي لهذا العدوان. فلماذا اختارت إسرائيل المواجهة ولماذا في هذا الوقت بالذات؟ لا شك أن هذه الحرب – كما كان الحال مع حرب لبنان – تأتي ضمن الإستراتيجية الإسرائيلية الكبرى المتمثلة بإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وفرض تسوية نهائية بالشروط الإسرائيلية، والتحضير للمواجهة الكبرى مع إيران عبر القضاء على حلفائها في المنطقة أو إضعافهم على أقل تقدير. ولم تعد هذه الإستراتيجية بالغريبة على أحد، فقد أعلنت عنها إسرائيل مراراً وتكراراً، كما أنها باتت أشبه بالبديهة لأي متتبع للصراع في الشرق الأوسط.

كما أن حماس، مع حزب الله وإيران وما يسمى بدول الممانعة، باتت تمثل مشروعاً تحررياً تقدمياً للشرق الأوسط مغاير تماماً لما تريده إسرائيل والولايات المتحدة بالتعاون مع حلفائها “المعتدلين” في المنطقة، ولا بد بالتالي من القضاء عليه مهما كلف الأمر

وبما أن حماس حركة مقاومة لا يمكن شرائها أو شراء قادتها بالنفوذ والكراسي – كما حصل مع منظمة التحرير الفلسطينية – و بما أنها قد أضحت بسبب إنتخابها شرعياً وديمقراطياً ممثلاً للشعب الفلسطيني، و بسبب سيطرتها العسكرية على غزة ومقاومتها النوعية الباسلة، شوكة وعقبة حقيقية في طريق التسوية التي تريد فرضها إسرائيل على المنطقة. كما أن حماس، مع حزب الله وإيران وما يسمى بدول الممانعة، باتت تمثل مشروعاً تحررياً تقدمياً للشرق الأوسط مغاير تماماً لما تريده إسرائيل والولايات المتحدة بالتعاون مع حلفائها “المعتدلين” في المنطقة، ولا بد بالتالي من القضاء عليه مهما كلف الأمر. وكما أوضح مفوض الرباعية للشرق الأوسط  في مقابلة هامة جداً أجرتها معه صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية قبل أن تعلن الفصائل الفلسطينية عن رفضها تمديد التهدئة، فإن حل “مشكلة غزة” يكمن في تغيير الواقع في قطاع غزة ومنع حماس من مواصلة السيطرة على القطاع. وكما أوضخ بلير، فإن الطريق الوحيد لإسقاط حكم حماس يتمثل في استخدام الخيارات العسكرية، بعد أن تبين بشكل واضح فشل الرهان على الحصار والضغوط الإقتصادية والعزلة السياسية في توفير الظروف المناسبة للتخلص من حكم حركة حماس، والتي آتت بنتائج عكسية وعززت مواقع حماس في القطاع أكثر.   

أما من ناحية التوقيت، فلعله من الملاحظ أن هذا العدوان جاء في فترة تحضير للإنتخابات في إسرائيل وفي الوقت الذي تشير فيه جميع الإستفتاءات وإستطلاعات الرأي إلى تقدم مرشح حزب الليكود اليميني المتطرف المعارض بنيامين نتنياهو، الذي يدعو إلى سحق المقاومة وإعادة قوة الردع والإعتبار إلى الجيش الإسرائيلي بعد هزيمة حزيران 2006. وقد تحدث الكثير من الخبراء السياسين من العرب وغيرهم، أن سفك الدم الفلسطيني في غزة جاء كمحاولة من الحكومة على التأكيد على قدرتها على “الدفاع عن مواطنيها” ومحاولة لكسب الرأي العام الإسرائيلي الذي يلوم الحكومة الحالية بسبب إخفاقاتها في حرب لبنان. ولعله من المعروف أن الإسرائليون لا ينتخبون إلا من تلطخت يداه بدماء الفلسطينيين أو العرب بشكل عام فهؤلاء هم برأيهم من يستحقون القيادة في المجتمع الإسرائيلي. وهذا ما حصل بالفعل، حيث بدأت الكفة تميل لصالح الحكومة مباشرة بعد هذا العدوان. 

وما يلفت النظر من ناحية التوقيت أيضاً، أن هذه الحرب جاءت في الوقت الذي تمر به الإدارة الأمريكية “بفراغ سياسي” إن صح التعبير، بسبب قرب إنتقال السلطة إلى الرئيس المنتخب الجديد أوباما. كما أنها في ذات الوقت تأتي في حين أن الرئيس الأمريكي الفعلي – وخصوصاً فيما يتعلق بأمور السياسة الخارجية – هو الرئيس بوش الإبن المعروف بمساندته ودعمه غير المحدود وغير المشروط لإسرائيل. ولعله من الملفت للنظر في هذا المضمار أيضاً، أن إعلان وقف إطلاق النار جاء قبل يومين لا أكثر من تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد أوباما، وهو ما كان يتوقعه العديد من الخبراء والمحللين السياسيين، وذلك بالطبع خشية من إحراج الرئيس الجديد في الوقت الذي ستنصب جميع الإهتمامات والتغطيات الإعلامية عليه.

قوات دايتون التابعة لمحمود عباس أما العامل الآخر الذي لا بد أن إسرائيل قد أخذته بعين الإعتبار، فهو جهوزية قوات “دايتون” – والتي كانت قد عادت حديثاً من تدريبات متقدمة في الأردن ومصر – على التصدي لأي “أعمال شغب” قد تحدث في الضفة الغربية نتيجة هذا العدوان و قدرتها على كبح جناح المقاومة الفلسطينية في الضفة والتأكد من منعها من فتح جبهة أخرى أو إطلاق إنتفاضة جديدة. ولعل إعتقال سلطة عباس لأحد أبرز قادة القسام العسكريين في الضفة رجب الشريف – والذي كان من المفترض أنه أستشهد عند إجتياح نابلس عام 2002 –  قبل ثلاثة أيام فقط من العدوان الإسرائيلي على غزة، كان دليل قاطع على جهوزية قوات عباس وقدرتها.

أخيراً لا بد من التذكير أن هذه الحرب جاءت في فترة أعياد الميلاد ورأس السنة، حيث العطل الرسمية في المدارس والجامعات.. إلخ، كما أنها جاءت مباشرة وفي نفس اليوم الذي إنتهت به رسمياً التهدئة التي وقعتها إسرائيل مع المقاومة الفلسطينية بوساطة مصرية، والتي إستمرت ستة أشهر، وهو ما يثبت أن إسرائيل كانت تحضر لهذه الحرب منذ وقت طويل وقد أعدت العدة لها ولتوقيتها مسبقاً. وقد كشف عن ذلك العديد من الزعماء الإسرائيليين.  

وبالطبع، فليس فيما سبق أي جديد أو إختلاف في المبادئ السياسة الأساسية الإسرائيلية وطريقة عملها. كما أنه يبدو – بحسب مجريات الحرب الميدانية – أن المقاومة لم تكن غافلة عن هذا المخطط وأنها أعدت له ما إستطاعت من قوة. إلا أن الجديد في الأمر، هو أن يتم الإعلان عن هذه المحرقة من عاصمة عربية شقيقة كانت تمثل يوما عاصمة المواجهة مع إسرائيل، وبالتعاون الواضح مع بعض النظم العربية الرسمية، بما في ذلك النظام السعودي و سلطة عباس. والجديد هنا أن هذا التواطؤ والتعاون لم ينحصر فيما يتعلق بالتعاون الإستخباراتي والمعلوماتي حول قدرات المقاومة ومواقعها ومواقع قيادتها كما فعلت سلطة عباس، بل وصل الأمر إلى حد الخديعة الحربية والطعن المباشر لظهر المقاومة حينما إدّعت مصر، الوسيط “المحايد”، أن إسرائيل ليس على وشك الهجوم وهي تعلم تمام العلم – كما تبيّن لاحقاً- الخطة الإسرائيلية وتوقيتها. ولعل هذا “اللعب على المكشوف” هو ما يميّز هذه الحرب الإسرائيلية عن سابقاتها من الناحية السياسية، وقد كان لذلك تداعيات جمة وحقيقية، سأتطرق لها لاحقاً.

أما الإختلاف الآخر – ويبدو أن ذلك جاء نتيجة للعبر والدروس التي إستخلصتها إسرائيل من حرب لبنان – فهو التكتيم المحكم لمجريات الأحداث وخاصة لحجم الخسائر التي يتكبدها الجيش الإسرائيلي ومنع أية صحفيين دوليين من تغطية الأحداث في غزة، على عكس ما حدث في لبنان، وذلك ليس فقط للسماح بالجيش من إرتكاب أكبر المجازر وأفظعها في صفوف المدنيين العزل فحسب، ولكن أيضاً من أجل إتاحة المجال لإستخدام وإختبار الأسلحة الإسرائيلية الفتاكة الجديدة و المحرمة دولياً – مثل الفسفور الأبيض وأسلحة “الدايم” – و من أجل محاولة السيطرة على الرأي العام العالمي و التأكد من عرض قوة الردع الإسرائيلية بدلاً من مكاسب المقاومة، كما حدث في لبنان. كما إنه من الملفت للنظر هذه المرة تطابق وجهات النظر الرسمية الإسرائيلية ووجود عناصر من الإستخبارات في دوائر القرار العسكري.   

الخطة الحربية الإسرائيلية وأهدافها

شهداء الضربة الجوية على مقرات الشرطة في غزة لا يوجد هناك ثمة شك أن المجازر التي إرتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة، والتي راح ضحيتها الآلاف بين قتيل وجريح، تهدف بشكل أساسي إلى تغيير الواقع السياسي برمته، وليس إلى وقف إطلاق القذائف الصاروخية من قطاع غزة أو إجبار حركة حماس على العودة للتهدئة أو فرض تهدئة طويلة الأمد. وهذا ما قالته وأعلنته إسرائيل عند بداية الحرب حين أعلن المجلس الوزاري المصغر أن الهدف من العملية العسكرية هو”إيجاد واقع أمني آخر في الجنوب،على مدى الزمن، في ظل تحسين الردع الإسرائيلي”. ونلاحظ هنا مدى التشابه والتطابق بين حرب إسرائيل على غزة وحربها على لبنان. فبكلا الحالتين خرجت إسرائيل للحرب من أجل القضاء على مقاومة شعبية تمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية تعتبر تهديداً للمشروع التي تمثله إسرائيل في المنطقة، ورمت إلى تعطيل مفاعيل هذا التهديد باجتثاث مصدره، وذلك عن طريق:

- منع إطلاق الصواريخ من قطاع غزة خاصة في الشرق من غزة على طول الشريط الممتد بمحاذاة إسرائيل
- القضاء على الأنفاق الموجودة في جنوب القطاع، وعلى مخازن الذخيرة والأسلحة والصواريخ
- السيطرة على المعابر، وإقفالها، وبالتالي عزل المنطقة عن العالم ومنع الإمداد
- تدمير البنية التحتية لحماس وحركات المقاومة الأخرى، وللبيئة الحاضنة لهذه المقاومة عبر المجازر وإستخدام أبشع الأسلحة وأكثرها فتكاً 

لا يوجد هناك ثمة شك أن المجازر التي إرتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة، والتي راح ضحيتها الآلاف بين قتيل وجريح، تهدف بشكل أساسي إلى تغيير الواقع السياسي برمته، وليس إلى وقف إطلاق القذائف الصاروخية من قطاع غزة أو إجبار حركة حماس على العودة للتهدئة أو فرض تهدئة طويلة الأمد.

أما بالنسبة للخطة العسكرية الإسرائيلية، فيبدو من الواضح ليس فقط إعتماد إسرائيل على عناصر المفاجأة والسرعة والقوة النارية الضارية، ولكن أيضاً إعتمادها على ثلاث عناصر أساسية  تقليدية هي: 

1 ـ القوّة الجوّية الضاربة التي تقوم بقصف “بنك من الأهداف”، وتؤدي إلى تدمير منظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة أو شلها وتعطيلها، ثم تدمير البنى التحتية والقواعد اللوجستية المستعملة خدمة للمقاومين، من أجل حرمان المقاومة من قدراتها النارية الصاروخية، إضافة إلى خنق صوت المقاومة بتدمير وسائل إعلامها، وإيقاع عدد كبير من الشهداء في صفوف المدنيين رغبة في الصدمة والترهيب والترويع والإنهاك من أجل الضغط على حماس وتحميلها المسؤولية لكونها السلطة السياسية الرسمية في القطاع.
2 ـ القصف المدفعي الثقيل تمهيداً لدخول قوّات بريّة من المشاة والمدرعات والدبابات الثقيلة مدعومة بقوة جوية مكونة من أحدث طائرات المروحية.
3 ـ دخول القوات البريّة في المعركة ليس بهدف إحتلال غزّة، (حيث سينعكس ذلك سلباً على تحقيق أهدافها) وإنما من أجل تقطيع القطاع إلى عدّة محاور والتعامل مع كل محور على حدا، وذلك لتطهير المناطق التي يتم الدخول إليها، وخاصة من منصّات الصواريخ وشبكات الأنفاق ومخازن الأسلحة، وتأمين هذه المناطق، ثمّ التوغل أكثر إلى حين تطهيرها كليّاً من المقاومين فيتحقق الهدف بالإجهاز على المقاومة وإخراجها من الميدان قتلاً وتدميراً أو إستسلاماً يرافقه الإعتقال والملاحقة، ومن ثمّ الإنسحاب.

إستراتيجية المقاومة الفلسطينية وتكتيكها

تعتمد المقاومة الفلسطينية في إستراتيجيتها على ما يلي: 

العقيدة والإيمان: وهي الأساس المعنوي الذي بنيت عليه إستراتيجية المقاومة في غزة والقائم على العقيدة الإسلامية التي تحض على الجهاد في مقاومة الظلم وتعد بإحدى الحسنيين “النصر أو الشهادة”.

الإستغلال الأقصى لطبيعة الأرض والإنشاءات الاصطناعية القائمة عليها: في الأصل لا تعتبر طبيعة الأرض وجغرافية قطاع غزة أرضا ملائمة لقتال العصابات وفي تصنيفها في هذا لمجال تأتي في الدرجة الرابعة، بينما نجد الجنوب اللبناني مثلاً مصنفاً في الدرجة الثانية أو الثالثة في أسوأ تقدير (الجبال الوعرة هي الفئة الأولى)، ومع ذلك عوّضت المقاومة الفلسطينية ذلك في الجهد الإنساني المبذول عبر حفر الخنادق المموهة والأنفاق الطويلة، كما وأن حسن تحضير الأماكن المبنية هو ما جعلها تتخطى الكثير من السلبيات الجغرافية في القطاع. لكنها لم تصل إلى الحد الذي تتمكن فيه من تنظيم مقاومة فاعلة في الأرض السهلية المكشوفة والمفتوحة لحركة الدبابات، لهذا وجدت أن التصدي للعدو المتقدم في هذه المناطق لا يكون إلا ببعض النسفيات المحضرة مسبقاً أو النار البعيدة المحدودة التأثير.

القوة النارية الصاروخية والمدفعية البعيدة أو المتوسطة المدى: في مواجهة مستعمرات العدو، وتتركز على إنتاج الخوف الذي يخلق حالة الضغط على القيادة الإسرائيلية لتتوقف عن الإستمرار في عدوانها، ما يعني أن الصواريخ التي تُطلق على المدن والبلدات داخل إسرائيل ليست وظيفتها القتل والتدمير لأن ذلك يتطلب الكثير من القدرات النارية الأمر الذي لا يمكن للمقاومة الفلسطينية في غزة توفيره بسبب حالة الحصار، إنما تكون وظيفتها خلق حالة الرعب والخوف كما ذكرنا. وبالتالي تكون هذه الإستراتيجية ناجحة طالما أن بمقدور المقاومة إطلاق بضعة صواريخ يومياً لإجبار الإسرائيليين الذين يستهدفون للبقاء في الملاجئ.

 تنوع أساليب المواجهة: وأهم ما نذكر في هذا المجال إعتماد المقاومة على: 

- الكمائن: الخفيفة والثقيلة
- الإغارات: الإغارة بالمجموعة الصغرى (مقاتلون) حيث تنتخب هدفاً منعزلاً ضعيفاً، أو الإغارة بالمجموعة الكبرى (5 الى 15 )التي تهاجم أهداف متعددة في محلة واحدة 
- النسفيات والأفخاخ والألغام والتي من شأنها قطع الطرق، أو تدمير آلية أو أكثر للعدو
- المراوغة الميدانية وعمليات الإستدراج إلى مناطق التقتيل، ثم المهاجمة
- العمل ضد الدروع بنظام مقبول أو متواضع من الأسلحة والقذائف الصاروخية المتوفرة 
- القنص من مسافات بعيدة
- اللجوء ضمن قدرات متواضعة إلى قصف تجمعات العدو ومحاور تقدمه وحركته بقذائف الهاون (مورتر) وبالقذائف الصاروخية التي أعتمدت أصلًا لقصف أهداف خارج القطاع
- العمليات الإستشهادية

الإنتاج الذاتي للسلاح: ومن أبرز وسائل القتال التي تُصنع وتُنتج في قطاع غزة:

- وسائل قتال مضادة للدروع: ومن ضمنها قذائف صاروخية مضادة للدروع تطلق عليها إسم “الياسين”، وهي بمثابة نسخ لطراز قذيفة مضادة للدروع الروسية PG-2
- عبوات ناسفة على إختلاف أنواعها: بعضها يمكن أن يوجد فيه مواد متفجرة معيارية
علماً بأن النموذج الذي يجري تقليده في هذا المجال في قطاع غزة، يتمثل في إستخدام عبوات ناسفة قوية وشديدة الإنفجار شبيهة بتلك التي تم إستخدامها من قبل حزب الله في لبنان، مثلما حدث عند أسر الجنديين حيث دمّرت دبابة إسرائيلية.
والأبرز في هذا الإطار هو عبوات ناسفة من طراز “شواظ” من إنتاج ذاتي لحركة حماس، وهي ذات قدرة عالية على الإختراق. يُضاف إلى ذلك إستخدام مواد متفجرة ذات طاقة أكبر على أساس الخبرة التكنولوجية لدى حزب الله وغيره من المنظمات، و قد تم خلال الأشهر الأخيرة الكشف عن إستخدام عبوات كهذه في عدة مناسبات داخل وعلى حدود قطاع غزة.
- إنتاج قذائف مدفعية لمديات مختلفة وإنتاج وتصنيع قذائف هاون
وتعتبر حركة حماس الرائدة بين منظمات المقاومة في القدرة على إنتاج عدد كبير من القذائف الصاروخية، إلى مديات تصل 13 كيلومتراً، وصواريخ محسنة تصل إلى مديات 19 كيلومتراً.
- الصواريخ: لقد ظهرت صواريخ “قسام1″ و”قسام2″ و”قسام3″ وصواريخ “البنا1″ و”البنا2″، وصواريخ “البتار” و”عوزي حماس” و”ناصر” و”قدس”، والأسماء كثيرة وجميعها أدوات قتالية مكتوب عليها: “صنع في فلسطين”.

أنبوب الأوكسجين الأرضي: وهو الوصف الذي يطلقه الإسرائيليون على الأنفاق الأرضية التي تستخدمها قوى المقاومة لتهريب وسائلها القتالية، والتي تشتريها من بدو سيناء، ومن تجار الأسلحة الذين يعملون خارج القطاع. وتشير بعض المصادر إلى أن المقاومة استطاعت في العام 2006 على سبيل المثال إستغلال هذه المعابر وتهريب: 
-28 طن من المتفجرات (مقابل 6 طن في العام 2005) 
-14 ألف رشاش قتالي 
-5 مليون معدّات تجهيز تسلحية 
-150 آر. بي. جي
-56 قاذفة هاون
-10 قاذفات صواريخ مضادة للدبابات من نوع مطوّر
-10 صواريخ مضادة للطائرات
هذا وقد إستخدم المقاتلون الفلسطينون عدة قذائف مستوردة لم يكن العدو يعلم بها منها قذائف “ب-29″ و قذائف “بدر” الإيرانية. 
التدريبات الميدانية والإعداد اللوجستي: وتتضمن هذه التدريبات الأساسية:
- التأهيل الجسماني
- الرمي بالبنادق 
- القنص والرمي بأسلحة مضادة للدروع  والمدفعية
أما من الناحية التكتيكية فتعتمد المقاومة الفلسطينية على ما يلي:
- توزع قوى المقاومة وإنتشارها في الصفوف الشعبية، فالمقاومون ليسوا وحدات نظامية تتخذ مراكز عسكرية واضحة وثابتة يؤدي قصفها إلى إخراج الوحدة من الميدان، بل هم أفراد مدنيون يمارسون بمعظمهم أعمالهم المدنية العادية ويلتحقون بالعمل العسكري عند الحاجة، لذلك لا يكون من قيمة تذكر للمباغتة في قصف الأهداف لأنها ستطال غير المقاومين. وهذا ما حصل بالفعل إذ أن الذين قتلوا كانوا من المدنيين العاديين والعاملين في السلطة الأمنية أو الرسمية وليسوا هم المقاومين فعلياً
- إنتظام المقاومة في خلايا صغيرة يتراوح أفرادها بين 3 عناصر إلى 15 في الحد الأقصى، وترتكز في الميدان على قاعدة لامركزية العمل الميدان التنفيذي مع مركزية القرار الإجمالي العام، وهذا ما يعطل مفاعيل قطع الإتصال أو تدمير مراكز القيادات الرئيسية
- إلتزام مبدأ إقليمية التنظيم المقاوم وقاعدة الإكتفاء الذاتي للمنطقة، بحيث يكون لكل منطقة مقاتليها ومخازنها ولوجستيتها، مما يعطل من مفاعيل الحصار والمراقبة الجوية الدائمة وقطع الطرق بالتدمير أو بالنار
- تأهيل المقاتل المتعدد الكفاءات، مما يعطل مفاعيل قتل عنصر أو أكثر من المجموعة الكبرى، فمن يبقى حياً يتابع القتال وبإستعمال كل الأسلحة المتوفرة
- الإعداد المسبق لحماية الذخائر والإحتياجات اللوجستية، والإعتماد على التخزين وعلى الحفر والخنادق التي لا تتطلب عملاً هندسياً فائقاً
- الإعتماد على شبكات الإتصال السلكية في أكثر الحالات ما عطّل فرصة المس بمنظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة

مسار الحرب ونتائجها العسكرية

بالرغم من كل تكنولوجيا القتل البشع والتجسس والإستخبارات التي تمتلكها إسرائيل و بالرغم من العملاء على الأرض، إلا أنه يبدو أنها لم تكن تمتلك معلومات مهمة عن تحركات المقاومة وتكتيكها ومواقعها ومواقع قيادتها. ويعتقد الكثيرون أن الهدف من الضربة الجوية الأولى المباغتة لحفل تخرج قوات الشرطة الفلسطينية كان يهدف للقضاء على أكبر قدر ممكن من قيادة حماس التي كان من المفترض أن يشارك بعضها فيه. كما أعلنت الحكومة الفلسطينية ضلوع بعض العملاء التابعين إلى رام الله في عملية قتل المناضل سعيد صيام بعد قصف بيت أخيه الذي كان يتواجد فيه. وقد كشفت حماس عن خلية تخريبية بحوزتها خرائط وتفاصيل عن بيوت بعض قادة المقاومة كانت قد سلمتها إلى سلطة عباس.  

جزء من الدمار في غزة هذا وقد إستمرت الضربات الجوية أسبوعاً كاملاً، إستهدفت كل الأماكن والمناطق التي حددت وجمعت في “بنك الأهداف” المعد “بعناية استخبارية” بالغة، وكان الطيران يعمل في وضع مثالي من حيث السيطرة الجوية المطلقة، فقد نفذت كل الطلعات الجوية كما لو أن الطائرات في حقل تدريب وليست في ميدان حرب بسبب إنعدام التهديد الحقيقي من قبل المقاومات والمضادات الصاروخية الأرضية أو الجوية.

و كانت الضربات الجوية على النحو التالي:

- ضرب مقرّات الحكومة والأجهزة الأمنية لتعطيل عمل الحكومة، وكذلك المجلس التشريعي
-  ضرب مقرات الحركة ومؤسساتها الخدماتية والإعلامية بما فيها شبكة الأقصى والجامعة الإسلامية
- ضرب القيادات السياسية والعسكرية الكبرى والميدانية عبر إستهداف منازلهم وأسرهم
- إستهداف العديد من المساجد الكبرى ذات الثقل للحركة
وبعد أن إستنفذت إسرائيل “بنك الأهداف” دون أية إحراز يُذكر في ظل توالي إنهمار الصواريخ الفلسطينية بل وإتساع رقعة مداها، كان لا بد لإسرائيل أن تختار بين وقف الحرب وتجرّع الهزيمة أو المضّي قدماً في المرحلة الثانية البرية.  

ووفقاً للمألوف في العمليات العسكرية، فإن هذه العملية البرية تكون أسهل كلما كان القصف الإستراتيجي التدميري أكثر تأثيراً و تدميراً وتقطيعاً للأوصال. ولكن القيادة الميدانية الإسرائيلية وبعد تقدير موقف عسكري ميداني دقيق إستخلصت أن ما إبتغته من المرحلة الجوية لم يتحقق بدليل إستمرار القيادة المقاومة الآمرة، والقوة النارية الصاروخية الفاعلة، والفئات الشعبية الحاضنة للمقاومة رغم كل ما لحق بالشعب من ويلات.

حارطة للعمليات البرية والجوية على القكاع لذلك كان لا بد لهذه القيادة من تجزئة العملية البرية ذاتها إلى مرحلتين: الأولى التقدم للتماس والتموضع على خطوط المهاجمة والإطباق، وتنفذ عبرها مهام جس النبض وإعتبار إمكانات المقاومين في القتال ومعنوياتهم، والثانية تكون بالتنفيذ الفعلي للمهمة. وبالتحديد فإن الخطة كانت تعتمد على دخول قوات بكثافة من ثلاثة محاور:
1- الشمال في حدود منطقة بيت لاهيا وبيت حانون حيث تطلق المقاومة أغلب صواريخها 
2- الوسط عبر شرق غزة عند محور مفرق الشهداء من أجل فصل شمال غزة عن جنوبه وقطع الإمدادات
3- الجنوب عند محور فيلاديلفي ومطار غزة وهو ما بات يُعرف بمحور الأنفاق من أجل السيطرة على عمليات التهريب
و من الملاحظ أنه تم إختيار مواقع العمليات بعناية وذلك لعدة إعتبارات:
1- منطقة مرتفعة يمكن أن تكشف من خلالها كل قطاع غزة
2- الكثافة السكانية قليلة وأغلب الأراضي مكشوفة
3- منطقة ضعف عسكري للمقاومة، وإمكانيات المناورة فيها ضعيفة
4- نسبة كبيرة من سكان المنطقة من غير عناصر حماس والمقاومة
5- الدخول من خلالها إلى عمق القطاع والوقوف على أبواب أكبر تجمعات سكانية

جنود الإحتلال تحاول دخول القطاع وبالفعل نُفذت المرحلة الأولى بعد ثمانية أيام من بدأ الحرب عندما إندفع آلاف الجنود الإسرائيليين الذين يشكلون أربعة ألوية نحو مسرح العمليات. وكان مقدراً لها أن تنجز في 18 ساعة كحد أقصى حيث تستريح القوى لتنطلق بعدها في الهجوم الصاعق، وهنا إصطدمت القوات الإسرائيلية بما لا يسرها، حيث أنها لاقت بعض المقاومة في الأماكن المكشوفة التي لا ينتظر فيها وجود أحد من المقاومين، ثم كانت صدمتها أكبر عندما بدأ القتال الفعلي بعد 48 ساعة على بدأ العملية البرية حيث لاقت من المقاومة شراسة في القتال وتعدداً في أساليبه وإرتفاعاً في معنويات المقاتلين، الأمر الذي كبدها خسائر بشرية فوق ما كانت تتوقع فاضطرت للتوقف بعد 6 ساعات من التحرك، وبدأت بتنفيذ سياسة القتل المتعمد للأبرياء و إرتكاب المجازر الفظيعة بإستخدام أحدث الأسلحة وأشدها فتكاً إضافة إلى المراوغة والمراوحة والمداورة في الميدان. وقد قتلت إسرائيل عائلات بأكملها تم تهجيرها من بيوتها وجمعها في مكان واحد، كما قتلت مجموعات من الناس كانت تحاول الفرار وهي تحمل الراية البيضاء، هذا بالإضافة إلى إستخدام الإسلحة الكيماوية المحرمة دولياً. ويبدوا من مراقبة الأحداث أنه كلما تعرضت القوات الإسرائيلية إلى كمين محكم أو قذائف “هاون” أو قنص مباغت، كلما زادت شدة جنونها وبطشها. وهنا حُكم على العملية بالفشل، وكان على إسرائيل أن تبحث عن مخرج مناسب يخرجها من ورطتها، الأمر الذي دفعها إلى إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد و لو مؤقتاً.

جثث للشهداء الفلسطينيين جراّء المحرقة وحسب آخر الإحصائيات فقد وصل عدد الشهداء إلى أكثر من 1300 بينهم 410 أطفال (32%) و104 سيدات (8%). وقد إعترفت حماس بمقتل 48 من مجاهديها فيماأعلنت الجهاد إستشهاد 34 مقاوماً. أما الجرحى فقد وصل عددهم 5340 منهم 1855 طفلاً (35%) و795 من النساء (15%). هذا وقد هدم العدوان الإسرائيلي نحو أربعة آلاف مبناً سكني وسواها بالأرض إضافة لأضرار كبيرة لحقت بحوالي عشرين ألف منزل آخر. وقد قدرت هيئة الإحصاء الوطني الفلسطيني الخسائر الإقتصادية الأولية بأكثر من 1.6 مليار دولار. كما إعتقل الإحتلال أكثر من 150 مدنياً لا يُعرف مصيرهم حتى الآن. 
أما بالنسبة إلى المقاومة الفلسطينية فيبدو أنها كانت مستعدة بالفعل لمثل هذا العدوان ولم تفاجأ من بطش القوات الإسرائيلية أو خطتها. وبالرغم من أن الضربات الأولى كانت غير متوقعة من ناحية التوقيت إلى أنه سرعان ما تداركت المقاومة نفسها وأخذت مواقعها الخاصة من أجل تنفيذ خطة الدفاع المعدة مسبقاً. وقد كان من الملاحظ خلو شوارع غزة تماماً من جميع المقاتلين الفلسطينيين الذي أخذوا مواقعهم تحت الأرض وفي الأنفاق مباشرة بعد بدأ العدوان. وبالرغم من عجز المقاومة عن صد الصواريخ والقنابل المطلقة من الجو ومنع إسرائيل من إرتكاب المجازر بحق المدنيين، إلى أنها تمكنت وإلى حد كبير من إفشال المخطط الأسرائيلي ومنعه من تحقيق أي من أهدافه المعلنة بل وصد كل توغل بري حاول الصهاينة القيام به.

صاروخ تطلقه المقاومة فقد أذهلتنا فصائل المقاومة – كما أذهلت العدو – بصواريخها التي طالت مناطق لم تشعر يوما بحرب أو أزمة، مثل عسقلان وأشدود وبئر السبع، فهذه المدن لم تذق أبداً طعم مرارة الحرب، إلى أن دخل 700-800 ألف إسرائيلي لأول مرة الملاجئ، وتعطلت الدراسة والأعمال. والأهم من ذلك دخول قواعد عسكرية تحت مرمى النار لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، مثل القاعدة الجوية “حتساريم” و”تل نوف”، القاعدة الجوية الأكبر في إسرائيل، التي تبعد أكثر من 45 كلم عن القطاع، والتي لم يحلم يوماً أي جيش عربى بالوصول إليها في أي حرب من الحروب. والأدهى من ذلك كله، أن المقاومة كانت تطلق هذه الصواريخ من بين أرتال الدبابات الإسرائيلية المتوغلة وعلى مرأى من طائرات الإستطلاع الإسرائيلية التي لم تكف ولو لدقيقة واحدة من التحليق في سماء القطاع. وقد إعتمد المقاومين في هذا السياق تكتيك إشعال الإطارات المطاطية من أجل الحد من قدرة طائرات “الزنانة” الإسرائيلية التي كانت تراقب كل تحركاتهم وتنقض عليهم في كل فرصة، و على إستخدام صواريخ تم زرعها مسبقاً ويتم التحكم بها عن بعد. وبالرغم من إنخفاض معدل الصواريخ الفلسطينية في الإيام الأخيرة للحرب إلى أنها لم تتوقف يوماً بل كان عددها يتراوح ما بين 35-45 صاروخاً يومياً. 

أما فيما يتعلق بالعمليات البرية، فيبدو أن عملية الرصد التي تقوم بها كتائب القسام كانت ناجحة إلى حدٍ بعيد حيث تم تسهيل مهمة دخول الجيش الإسرائيلي في بعض المحاور المفتوحة، ليس فقط لسهولة إصطياد المقاومين في تلك المناطق ولكن أيضاً لإيقاع قوات الإحتلال في كمائن تم نصبها في المنطقة. وبالفعل فقد حدث ما تم التخطيط له من قبل المقاومة ووقعت القوات الإسرائيلية في الشرك حيث تم إطلاق النار على القوات الإسرائيلية من مسافات قريبة جداً أدت إلى قتل وجرح الكثيرين منهم. وقد كان ذلك الكمين الأول من نوعه وراح ضحيته بعض عناصر نخبة “جولاني”. وقد قامت إسرائيل وبعد أقل من عشرة دقائق من إعلان القسام عن هذا الكمين بمذبحة راح ضحيتها أكثر من ثلاثون مواطن تم جمعهم في بيت واحد وإستهدافهم من قبل الدبابات، وهو ما يثبت برأيي صدق ما أوردته المقاومة.   

كما تمكن رجال المقاومة من إبتكار أساليب هجومية جديدة وخطيرة ضد أهداف إسرائيلية منتخبة، مثل إستهداف الدبابات المحصنة من طراز “ميركافا” وناقلات الجند، بواسطة تفجير العبوات الناسفة التي تحتوي على كمية كبيرة من المواد المتفجرة، وهي محاولات تدل على وجود نمط جديد ينتهجه المقاومون، مما إعتبره الإسرائيليون تصعيدًا وتطورًا خطيرين دفعا وزير الأمن الداخلي السابق عوزي لنداو للقول “إن الحرب التي تديرها إسرائيل وقوات الأمن ضد الحركات المسلحة هي حرب أدمغة وإبتكارات وأساليب جديدة”. 

وأشارت بعض التقارير التي وصلت من ميدان المعارك إلى إنتهاج المقاومين لتكتيك جديد آخر يقوم على إعتبار أن “البندقية أفضل من القنبلة”، وهو ما يراه الخبراء خطوة قد تؤدي إلى تسهيل العمليات ضد قوات الإحتلال. والحديث هنا عن هجمات إستشهادية ولكن بالبنادق وليس القنابل. وروت المقاومة في هذا الصدد تفاصيل قصة إستشهادي تسلق على دبابة إسرائيلية بعد أن فجر فيهم جميع عبواته و قاتلهم برشاشه حتى آخر رصاصة. 
هذا وقد تنوعت عمليات إطلاق النار والكمائن المسلحة لتأخذ شكل إطلاق النار على دورية حيناً، وعلى موقع أو برج عسكري حيناً آخر، وعلى سيارة عسكرية مصفحة حيناً ثالثاً، أو أي هدف إسرائيلي يتاح لفصائل المقاومة. و قد دفع هذا التطور إلى أن يعلن عضو الكنيست السابق يوسي سريد أن الردع الذي حققه الفلسطينيون مع بنادقهم “الخردة” فاق ألف مرة الردع الذي حققه الجيش الإسرائيلي في مخيمات اللاجئين مع كل دباباته وطائراته أل ف-16.

كما برعت المقاومة  في إستخدام العبوات الناسفة في تنفيذ عملياتها، فأغلب المواجهات العسكرية تتضمنت إستخداماً لأسلوب العبوات الناسفة بشكل منفرد، أو كجزأ من عملية مركبة، مما أدى إلى إلحاق خسائر عديدة في صفوف المحتلين.

وفي هذا الصدد أعلنت المقاومة الفلسطينية تفاصيل عملية نفذها المقاوم محمود الريفي الذي كان مرابطاً في جبل الريس شرق مدينة غزة عدة أيام معتمداً في طعامه على الماء والتمر، ليباغت القوات الخاصة الإسرائيلية (كوماندوز) التي توغلت بالمنطقة، واستطاع تفجير عدد من العبوات المضادة للأفراد، وحمل جندياً إسرائيلياً مصاباً أسيراً قبل أن تقصفه طائرة “آباتشي” إسرائيلية وترديه مع الجندي

كما أوشكت المقاومة على أسر جنود إسرائيليين لولا كثافة النيران التي تعرض لها المقاومون من قبل طائرات الآباتشي التي تدخلت لإنقاذ الموقف. وجاء في بيان لكتائب القسام إن مقاومي القسام أسروا عدة جنود إسرائيليين في عمليتين منفصلتين، لكن الطيران الإسرائيلي قتلهم رفقة للمقاومين الآسرين. وكما هو معروف فإن جميع الجنود الإسرائليين يلبسون مواداً تسمح للجيش والطائرات من تحديد مواقعهم. و في هذا الصدد، أعلنت المقاومة الفلسطينية تفاصيل عملية نفذها المقاوم محمود الريفي الذي كان مرابطاً في جبل الريس شرق مدينة غزة عدة أيام معتمداً في طعامه على الماء والتمر، ليباغت القوات الخاصة الإسرائيلية (كوماندوز) التي توغلت بالمنطقة، واستطاع تفجير عدد من العبوات المضادة للأفراد، وحمل جندياً إسرائيلياً مصاباً أسيراً قبل أن تقصفه طائرة “آباتشي” إسرائيلية وترديه مع الجندي.

وقد إعترف جنود الإحتلال بضراوة المقاومة الفلسطينية. فعلى سبيل المثال قال النقيب ميكي شربيط قائد سرية في سلاح المدرعات الإسرائيلية في تقرير نشرته النسخة العبرية لموقع صحيفة “يديعوت أحرنوت” على شبكة الإنترنت: ” إنها حرب أشباح، لا نرى مقاتلين بالعين المجردة، لكنهم سرعان ما يندفعون صوبنا من باطن الأرض، أنهم يخرجون لنا من أعماق الأرض، أننا نتحرك على الأرض ونحن نشعر أن أسفل منا مدينة تحت أرضية “. شهادة شربيط الذي ترك ساحة المواجهات بعدما أصيب في مواجهة مع عناصر حماس في منطقة العطاطرة، أقصى شمال غرب قطاع غزة، تشير إلى الدور الكبير الذي تلعبه الأنفاق كجزء من الخطة الدفاعية التي تعتمدها المقاومة، في مواجهة التوغل الإسرائيلي.

وقد إعترف جنود الإحتلال بضراوة المقاومة الفلسطينية. فعلى سبيل المثال قال النقيب ميكي شربيط قائد سرية في سلاح المدرعات الإسرائيلية في تقرير نشرته النسخة العبرية لموقع صحيفة “يديعوت أحرنوت” على شبكة الإنترنت: ” إنها حرب أشباح، لا نرى مقاتلين بالعين المجردة، لكنهم سرعان ما يندفعون صوبنا من باطن الأرض، أنهم يخرجون لنا من أعماق الأرض، أننا نتحرك على الأرض ونحن نشعر أن أسفل منا مدينة تحت أرضية ”

مقاوم فلسطيني يخرج من تحت الأرض كما تحدث شربيط عن الفزع الذي يشعر به الجنود من عمليات الإختطاف عبر هذه الأنفاق. وللمخاوف التي يتحدث عنها الضابط الإسرائيلي ما يبررها، ففي اليوم الثاني للعملية البرية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، وأثناء قيام سرية من وحدة مختارة في لواء الصفوة “جولاني” بعمليات تمشيط في أحد المنازل شرق مخيم جباليا، شمال قطاع غزة، فوجئ أحد الجنود الذي كان يفتش إحدى الغرف في المنزل بإثنين من مقاومي حماس يندفعون من حفرة في قلب الغرفة ويحاولان الإمساك به ودفعه نحو الحفرة التي كانت تؤدي الى نفق، إلا أنه أفلت من الأسر بعد تدخل زملائه الذين استدعوا مروحية عسكرية من طراز “آباتشي”. ويتضح من التقييمات العسكرية الإسرائيلية أن تحرك مقاتلي حماس عبر الأنفاق في ساحات المواجهة بات يقلص تأثير المروحيات وطائرات الإستطلاع الإسرائيلية على استهدافهم أثناء المواجهات. ولعل الذي يدلل على ذلك هو ما حدث لعناصر وحدة “خوريف”، وهي إحدى وحدات النخبة التي كلفت بعمليات تمشيط في الأراضي الزراعية الواقعة شرق مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة. قبيل عملية التوغل قامت طائرات الإستطلاع بدون طيار ومروحيات الآباتشي بعمليات تمشيط واسعة النطاق، فضلاً عن قيام المدفعية بقصف المنطقة لضمان طرد المقاومين الذين يفترض أنهم يتواجدون في المنطقة، مع العلم أنها من المناطق ذات الكثافة السكانية الضئيلة جداً. وبعد أن أنهت الطائرات والمدفعية ما قامت به، توغل في المنطقة عناصر وحدة ” خوريف”، وأثناء قيامهم بعمليات تمشيط في أحد البيوت، فوجئوا بخروج مقاومين من باطن الأرض وأطلقوا قذائف عليهم ليقتل ويجرح عدد من الجنود من بينهم قائد الوحدة.

و قد أكدت كتائب القسام أن مجموعات ممن أسمتهم بـ “الإستشهاديين الأشباح” تختبئ داخل أنفاق حتى لا تكشفها قوات الإحتلال، الأمر الذي يمكنها من الإنقضاض عليها من الخلف. وأردف الناطق الإعلامي للقسام “أبو عبيدة” قائلاً أن الأشباح الاستشهاديين عبارة عن “مجموعات من الاستشهاديين الذين تدربوا تدريبات خاصة، وكانت ترابط لعدد من الأيام مختبئة في الأماكن المفتوحة التي كان من المتوقع أن يتوغل فيها جيش الإحتلال فيها لتباغت الصفوف الخلفية للعدو وتربك صفوفه”. وقال أيضا إن ”كتائب القسام زرعت أغلب المناطق المفتوحة بعبوات وألغام تنفجر بمجرد الضغط عليها، إضافة إلى أنه بات لديها القدرة على إستدراج قوات خاصة إسرائيلية لمنازل خالية، وإغرائهم باعتلاء أسطحها التي تم تلغيمها، ومن ثمّ تفجير المنزل على من فيه”. وقد روت المقاومة تفاصيل العديد من هذه الكمائن المحكمة. كما أكدت إسرائيل أن المقاومة وضعت في بعض البيوت المهجورة  دمى على شكل مقاوم مليئة بالمتفجرات ما أن يرميها الجنود بالرصاص حتى تنفجر فيهم.  

جندي إسرائيلي قتلته المقاومة وحسب إحصائيات المقاومة، فإنها قتلت 80 جندياً وجرحت 411 آخرين على الأقل. وحسب آخر بيان لكتائب القسام فإن المقاومين تصدوا للدبابات الإسرائيلية بـ98 قذيفة وصاروخاً مضاداً للآليات، وفجروا 79 عبوة ناسفة في الجنود الإسرائيليين وقنصوا 53 منهم، ونصبوا لآخرين 12 كمينا، واشتبكوا مع آخرين 19 اشتباكاً مسلحاً. كما أسقطت المقاومة طائرة إستطلاع إسرائيلية (تم نشر صور لبعض أجزائها) وأصابت أربع طائرات مروحية ودمرت ما يقارب 47 دبابة وجرافة وناقلة جند. أما بالنسبة للصواريخ، فقد قالت كتائب القسام أن مقاوميها فقط أطلقوا 980 صاروخا وقذيفة على المدن الإسرائيلية. 
وبالرغم من عدم إعتراف إسرائيل بهذه الأرقام فيكفي القول أنه، ولأول مرة، تحاول إسرائيل إقتحام أرض فليسطينية وتفشل، فكل الإعتداءات السابقة منذ 48 وما قبلها كان الصهاينة يهاجمون ويستولون على المناطق ثم يفرّغوها من الفلسطينين بالقتل ونزوح من بقى على قيد الحياة، حتى عندما كانت الجيوش النظامية مسؤولة عن حماية المناطق الفلسطينية، فمثلًا الجيش المصري لم يصمد في غزة لا فى 56 ولا في 67. ناهيك عن أنها لم تستطع القضاء على حماس أو شل قدراتها العسكرية وخصوصاً قدرتها على إطلاق الصواريخ. أما فيما يتعلق بالأنفاق، وبالرغم من تدمير القوات الإسرائيلية للعديد منها فكما قال أحد تجار السلاح المصريين لل BBC : “إن ذلك لن يقضي على التجارة وإن كان قد يعطلها مؤقتاً”!

نتائج الحرب السياسية

أما على الصعيد السياسي فقد كان لهذه الحرب نتائج جمة وخطيرة سأحاول فيما يلي إستعراض أهم تفاصيلها: 

 فضح التواطؤ العربي و”الفلسطيني”
إن التواطؤ العربي مع إسرائيل في تنفيذها للمجازر ضد الفلسطينيين لم يعد يحتاج بعد اليوم إلى أدلة، فوزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني إختارت أن تعلن عن الحرب لإسقاط حركة حماس تحديداً في القاهرة وبمعية أبو الغيظ وبعد إنتهاء إجتماعها مع الديكتاتور حسني مبارك. ليس هذا فحسب، بل أن السلطة الفلسطينية شاركت في الحملة الدعائية التي تشنها إسرائيل لتبرير مجازرها ضد الفلسطينيين. فنمر حماد مستشار محمود عباس إعتبر أن حماس تشارك إسرائيل في إرتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين، فضلاً عن أن سلطة عباس أصدرت أمراً بمنع الفلسطينيين من التظاهر والإحتكاك بجيش الإحتلال حتى لا يتم فتح جبهة أخرى في الضفة الغربية، فتضطر إسرائيل الى تخفيف ضغطها العسكري على غزة. ومن أوضح المؤشرات على التواطؤ هو رفض عدد من الدول العربية عقد القمة العربية لبحث المجازر التي ترتكب ضد الفلسطينيين في غزة، وكأن مقتل وجرح الآلاف من الفلسطينيين أمر لا يستدعي عقد هذه القمة.

أبو الغيط مع حليفته الإسرائيلية القادة الصهاينة لم يخطئوا قراءة عدم مسارعة الزعماء العرب للإلتئام، فنائب وزير الحرب الصهيوني متان فلنائي أوضح أن عدم مسارعة العرب لعقد القمة جاء من أجل تمكين إسرائيل إستكمال تحقيق أهداف حملتها العسكرية. من ناحيته قال الجنرال عاموس جلبوع، رئيس وحدة الأبحاث السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أنه حدث تحول إستراتيجي في موقف مصر من حركة حماس. وفي مقال نشره في صحيفة “معاريف”  ثاني أوسع الصحف العبرية إنتشاراً قال جلبوع “مصر تتزعم المعسكر العربي المشايع للغرب، والمعتدل والذي يشعر بان الإسلام المتطرف يهدده”، منوهاً الى أن هذا الواقع أفاد إسرائيلي كثيراً في تسويغ نزع الشرعية عن حكم حركة حماس. وما إغلاق معبر رفح، أو مبادرتها الخسيسة إلا ترجمة عملية لهذه الحقيقة. 

حرق عملية “الإستسلام” والنظم “المعتدلة”
هل يمكن بعد الذي جرى أن يتحدث أحد عن السلام مع إسرائيل؟ ذلك أن الجنون الذي أصاب إسرائيل في ممارساتها الوحشية في غزة، لم يهدم فقط بيوت القطاع لكنه أيضاً هدم كل ما حاولت إسرائيل أن تبنيه من أوهام السلام طوال الثلاثين عاماً الأخيرة. وقد شاءت المقادير أن تقدم إسرائيل على محرقة غزة في العام الثلاثين لتوقيع معاهدة السلام مع مصر (عام 1979)، لتطوي صفحتها وتجهز على ما بقي لها من آثار، خصوصاً بعدما أصبح السؤال المركزي في العالم العربي: هو أليس من العار رغم الذي جرى، أن تحتفظ أي دولة عربية بعلاقات من أي نوع مع إسرائيل؟

كما أن إسرائيل حين أرادت أن تحرق غزة فإنها حرقت أصدقاءها معها، وفي المقدمة منهم أبو مازن وجماعته الذين كان حلمهم العودة إلى غزة على ظهر الدبابات الإسرائيلية بدلاً من إنتهاز الفرصة لقيادة الشعب و لتوحيد الصف والإعلان عن قطع مفاوضاتهم العبثية مع إسرائيل.

ربما لا يكون بمقدور غزة المثقلة بأوجاعها، ولا من مهمتها، تصويب مسار النظام العربي “المعتدل” أو ترميمه، لكنها بأحداثها الموجعة لا شك ستدفع هذا النظام إلى الإستقالة علناً ونهائياً معترفاً بعجزه المطلق، أو تدفع بحراك سياسي على مستويات أخرى (شعبية ونقابية) إلى البحث عن إطار آخر يستطيع تخليص الشعوب العربية من وجع الإحساس بالعجز وربما المشاركة في عملية الذبح العظمى.

فغزة اليوم، وبرغم كل وجعها وفقرها، تفتح أعين العرب على حقائق ربما شغلتهم الأيام والهموم عنها، وهي أن الدولة العربية التي انزاحت عن وظيفتها ودورها الأساسي كحاضنة للمواطن، ومحققة لآماله في العيش الكريم والآمن، لتتحول إلى مزرعة، لم يعد بمقدورها الإنتصار لغزة فحسب، ولكنها أيضاً غير قادرة على حماية مواطنيها وحفظ كرامتهم، وهذا النمط من الدول بات ملحاً التفكير في مساراته ومصائره، قبل أن يتحول أهلها إلى غزاويين آخرين.

تفعيل صحوة الشعوب العربية والإسلامية 
مظاهلرة عارمة مناصرة للمقاومة لقد شاهد الوطن العربي والإسلامي موجة غضب وإحتجاج وتنديد عارمة لم يشهدها منذ الخمسينات، فقد خرجت الملايين والملايين من الناس للتظاهر والإعتصام والتضامن مع أهل غزة، مطالبين حكوماتهم بقطع العلاقات مع إسرائيل و فتح باب الجهاد ومقاطعة جميع البضائع الأمريكية والإسرائيلية. بل إننا سمعنا كلاماً لم نسمعه أبداً من قبل، لا في 56، ولا في 67، ولا في 82، ولا عند إحتلال العراق ولا حتى في حرب لبنان 2006. ولا أظن أننا عشنا زمناً تعمقت فيه أزمة الثقة في بعض الأنظمة العربية، ولا أثيرت حولها الشكوك والشبهات، كهذا الزمن الذي نعيشه الآن. 

لقد عاش الشارع العربي الحدث في غزة يوماً بيوم بل ساعة بساعة. وبالرغم من أن إسرائيل تمارس الآن بدرجة أعلى ذات الجرائم التي إرتكبتها في فلسطين عام 48، فإن تفصيلات تلك الجرائم لم يتعرف عليها العرب والمسلمون إلا بعد سنوات من وقوعها، لأن الإعلام كان ضعيفاً في أربعينيات القرن الماضي. لكن الأمر يختلف الآن تماماً، لأن الناس أصبحوا يتابعون ما يجري في غزة ساعة بساعة، وفي أحيان كثيرة فإن مشاهد المحرقة تنقل إليهم مباشرة عبر بعض الفضائيات، ولا ينبغي أن يستهان بهذه التعبئة المستمرة التي شحنت الشارع العربي بمختلف مشاعر السخط والغضب، ليس على إسرائيل وما تفعله فحسب، ولكن على العجز الذي ظهر في مواقف الأنظمة العربية ذاتها. وهنا وجه الخطر في الموضوع. ذلك أن شعوبنا التي إحتملت في السابق ممارسات كثيرة من الأنظمة المختلفة، يصعب عليها ويهينها ويجرح كرامتها، أن تحتمل طويلاً أوضاعاً من هذا القبيل الذي إستجد. ولا بد أن يأتي قريباً من يستثمر هذا الحراك لرفع الظلم عن الشعوب والإطاحة بالنظم المستبدة.

تأجيح المقاومة وزيادة شعبية حماس
بإمكان إسرائيل إعادة إحتلال القطاع وتدمير كل مؤسسات الحكم الموهوم فيها، وبإمكانها الإيغال في استهداف قادة حركة حماس ونشطائها بالإضافة الى الآلاف من الفلسطينيين، لكنها بذلك تؤجج فقط نار المقاومة في نفوس الفلسطينيين، وتدفعهم للتحدي والإنضمام الى دائرة العمل المقاومة، وتساعدهم على التمييز بين البرنامج الذي تطرحه حماس والبرنامج الذي يطرح أهل أوسلو. إن المقاومة لن تظل حبيسة قطاع غزة، فبكل تأكيد ستنتقل الى الضفة الغربية وفي عمق إسرائيل، فضلاً عن أن المجازر البشعة ستحرض مزيد من العرب والمسلمين على الإلتحاق بركب المقاومة، كما أنها ستحرج وتفضح الأنظمة العربية المتواطئة بشكل كبير، وتزعزع شرعية وجودها.

لقد حاول النظام العربي الرسمي “المعتدل” التخلص من حكم حركة حماس عبر محاولة فرض تصور متحيز لحل الإنقسام الفلسطيني الداخلي، وقد عبّر عن هذا التصور المقترح المصري لحل الانقسام الذي تم طبخه بالتعاون مع سلطة عباس وعدد من الدول العربية. لكن لسوء حظ سلطة عباس والنظام العربي الرسمي وقبلهما إسرائيل، فأن ما قامت به آلة الحرب الصهيونية من مجازر لن يؤدي إلا لتعزيز حركة حماس ويعطي شرعية لوجودها، بل أنه سيمثل مخرجاً من الأخطاء الجسيمة التي وقعت فيها هذه الحركة بعد دخولها معترك الحياة السياسية.

فالمجازر الإسرائيلية ستجعل وجهة الحركة نحو المقاومة والمقاومة فقط، وقد تتحرر حماس من الكثير من أعباء الحكم في القطاع بأكثر من صيغة. كما قد تنهي المجازر الإسرائيلية الجدل الهزلي الذي كان محتدماً بين حركتي فتح وحماس حول الشرعية والإنتخابات، وتعيد البوصلة الوطنية للإتجاه الصحيح. إن إسرائيل بهذه المجازر أسدت معروفاً لكل يؤمن بخيار المقاومة حتى زوالها من على وجه الأرض، فالمجازر الإسرائيلية ستسقط في النهاية عباس وستعزز حماس وخيار المقاومة.

التغيّر الإستراتيجي في الموقفين التركي والقطري
ولعل المفاجأة الكبرى كانت من نصيب الموقفين التركي والقطري، وخصوصاً إعلان تركيا أنه حفيد العثمانيين. فقد لمس وتراً حساساً طرب له العالم الإسلامي كله، فهذه الدولة المفترى عليها حمت القدس لخمس قرون، ولم يفرط السلطان عبد الحميد في فلسطين بالملايين التي تحفظ له ملكه. وقد كان موقف تركيا و مبادراتها والمظاهرات والفعاليات العارمة التي شهدتها البلاد خير شاهد على الدور الجديد الذي ستلعبه في المنطقة، الأمر الذي  قد يساعد المقاومة وخصوصاً في ظل علاقاتها الحميمة مع سوريا وحماس.

أما بالنسبة لقطر فقد كان موقف قادتها مشرفاً للغاية وتتوّج في قطع علاقاتها مع إسرائيل ودعم مطالب المقاومة في مجلس الأمن و قمة الدوحة.

إنفضاح حقيقة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي 
بعد أن كانت تجمع التبرعات لإسرائيل في أوروبا في حرب 73، عمَ التعاطف كل أوروبا، وقد خرج الملايين من الأوروبيين في مظاهرات عارمة منددة بالعدوان ومناصرة للمقاومة. فحتى في النرويج خرج 150 ألف شخص. كما خرج مئات الآلاف في إنجلترا وفرنسا وألمانيا و اليونان وغيرها، وقد تخللت بعض هذه المظاهرات إشتباكات مع قوات حفظ الأمن والشرطة لم تشهدها العواصم الأوروبية منذ الثمانينات، حيث جرح وأعتقل العشرات. كما أن مواقف تشافيز في فنزويلا وموراليس في بوليفيا لم يجاريها أحد. وهل سمعتم كلمة مندوب أيسلندا فى مجلس الأمن أو المندوب الأسترالي الذي أعلن أنهم سيتبرعون بـ 50 مليون دولار. هذا وقد أرسلت بلجيكا مستشفى ميدانيا وطاقما طبياً إلى غزة.

بإختصار، لقد بدأ يزول تأثير الأساطير الإسرائيليه والدعاية الصهيونية على العالم،  كما قال سبحانه: “لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ”.

الإستنتاجات: شكراً إسرائيل!

في النهاية، لا يسعني سوى أن أستعير بعض السطور والتي تعبّر برأيي عن حقيقة ما أنجزته إسرائيل في هذا المحرقة. يقول الكاتب السعودي عبد الرحمن الهرفي:
شكراً إسرائيل .. فلقد دمرتِ كل خذلان الدول العربية.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد حرقت خرائط الذل والهوان التي قدمت لك على طبق من الخزي والعار.. 
شكراً إسرائيل .. لقد مزقت وجه أذنابك المنافقين اللذين تزلفوا لك مرات تلو مرات وأرادوا بيع أرض المقدس بثمن بخس، بل قدموا القدس الشريف لك بلا ثمن.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد هتكت ما بقي من سِتر الفراعنة اللذين طوقوا غزة وجوعوا أهلها وشجعوك على إرتكاب هذه المذبحة النازية.. 
شكراً إسرائيل .. لقد دمرت مشروع “حوار الأديان”.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد أظهرت لنا الوجه الكالح لسدنة الإعلام وكهنة النفاق في عالمنا العربي وعلى رأسهم قناتكم العبرية عفواً “العربية”.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد أظهرت لنا أننا لا نساوي شيئاً عند المسئولين الموقرين.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد أظهرت لنا أننا لا نملك علماء أحرار، بل فقهاء قد شربوا الذل كما شربناه، ولكنهم شرعوه لنا.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد أظهرت لنا عمالة المشايخ الذين تباكوا على قتلى 11 سبتمبر، وخرسوا الآن.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد أظهرت لنا أن حكامنا “المباركين” يبغضون قيام دولة إسلامية تحكم بشرع الله.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد أظهرت أن المتسلطين علينا لا يقيمون قيمة لبيوت الله، فقد دمرت واحدة تلو الأخرى ولم يتحرك أحدهم، بل ما زال العبث في ملاعبهم ومراقصهم وقنواتهم.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد أظهرت لكل الناس أنك حيوان مسعور لا ينفع معك إلا القتل، فأبشري.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد أذبت الفوارق القومية والطبقية والوطنية بين العرب والمسلمين، فأبشري.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد أظهرت عقيدة الحب في الله لأهلنا في غزة، والبغض في الله لك، فأبشري.. 
شكراً إسرائيل .. فلقد تعلمنا معنى الصمود وسقط من نفوسنا الخوف من قهر ترسانتك الحربية.. 
شكراً إسرائيل .. ثم شكراً إسرائيل .. فلقد أظهرت للأمة أن فلسطين ساكنة في ضمير الأمة، ومتحركة في عقيدة الأمة، وأنها جامعة لمشاعر الأحرار والمسلمين، فأبشري.. 
بالفعل، شكراً إسرائيل!! 
والله أعلم. 

المصادر:
١- محمد المدهون، العدوان البربري ونتائجه
٢- علي باكير، الأجندة العسكرية الإسرائيلية في العدوان على غزة
٣- عدنان أبو عامر، رؤية إسرائيلية لتحضيرات حماس لمواجهة ما بعد التهدئة
٤- أمين حطيط، حرب إسرائيل على غزة وأثرها على الإستراتيجيات العسكرية 
٥- عبد الرحمن الهرفي، شكراً إسرائيل؟!

أضف إلى مفضلتك:
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google
  • Live
  • MySpace
  • Reddit
  • Technorati
  • E-mail this story to a friend!
  • TwitThis
  • Digg
الأوسمة: علم الحرب, فلسطين

ما رأيك؟ أضف تعليق!