آخر التدوينات »
الأكثر تعليقاً »

الحرب في القرن الواحد والعشرين

بقلم: م. يحيى | أغسطس 24, 2008


صورة مشهورة لطقل قلسطيني أيام الإنتفاضة

تعد محاولة إستشراف طبيعة الحرب القادمة وخصائصها من أهم المهام العاجلة التي تواجه خبراء الدفاع والإستراتيجية اليوم. فكما هو الحال بأغلب الأمور، فإن الحرب، كظاهرة إجتماعية سياسية، في تغيَر سريع وملحوظ. فالحرب التي خاضتها الدولة ـ الأمة لأسباب خاصة بالدولة وبإستخدام جيوش نظامية تحارب جيوش نظامية مماثلة، لم تَعُد وحدها المقياس الذي يُعرَف الحروب الحديثة. إن جيلاً آخر وجديد من ظاهرة الحرب قد ظهر… 

ويُسمى هذا الجيل “الجيل الرابع” Fourth Generation Warfare أو الحرب غير-المتناسقة Asymmetric Warfare.

المحتويات

هناك مفهومان حيويان لتعريف هذا الجيل الجديد من الحروب: إنتهاء إحتكار الدولة للقدرة على شن الحرب والعودة إلى عالم تصادم الثقافات. حول كل العالم تقريباً، تجد الجيوش النظامية أنفسها اليوم في مواجهة خصوم وأعداء لا يتبعون إلى دولة معينة… القاعدة، حماس، حزب الله. كما يبدو أن أنجع هوؤلاء الخصوم هم الذين يتبعون دين أو أيدولوجية معينة وخصوصاُ عندما يحاربون ضد جيوش حكومية نظامية صُممت من أجل محاربة جيوش مماثلة. 

سأحاول في هذا المقال معالجة التغيَرات الحيوية التي حدثت لظاهرة الحرب في العصر الحديث وأن أحدد طبيعة وخصائص هذا الجيل الرابع للحرب.

أجيال الحرب

لنلقي نظرة سريعة على أجبال الحرب المختلفة أولاً. إن التمحص والتدقيق في ظاهرة الحرب في العصر الحديث يُظهر ثلاثة أجيال أو مراحل مختلفة لها، تغَيرت فيها الحرب تغَيراُ جذرياُ:

يمتد الجيل الأول من الحروب من عام 1684م إلى عام 1860م تقريباً. و كان من أبرز خصائصه أن الوحدات العسكرية كانت منظمة في خطوط وأعمدة مستقيمة وأن المعركة كانت مرتبة ومقيَدة على الطريقة التي كان يُفضلها “نابليون“. وقد تطَلب هذا النوع من الحروب أنصياع الجيوش للقائد وتنفيذ الأوامر دون نقاش.. وأن يكون كل شيئ خاص بالجيش مختلف ومحدد ومرتب. ففكرة الأزياء العسكرية المخصصة والرُتب والنجم كلها من ناتج هذا الجيل وقد جاءت لتثبت ضرورة التنظيم والترتيب والإنصياع. 

ولكن في منتصف القرن التاسع عشر بدأ هذا الترتيب والتنظيم – داخل المعركة وخارجها – بالإنهيار، وجعلت التكنولوجيا – وخصوصاً بعد إكتشاف البارود- من هذا النوع من التكتيك أشبه بالإنتحار. 

وقد كان الفرنسيون أول من بدأ بتطوير الجيل الثاني من الحروب خلال وبعد الحرب العالمية الأولى.. وذلك بالإعتماد على القوة النارية، وخاصة المدفعية غير المباشرة. وقد إعتمد التكتيك في ذلك الوقت على النار والبارود… أما الحركة فبقيت خطية مستقيمة. “المدفعية تفتح والجيوش تحتل” كان القول الفرنسي آنذاك. المنتصرون في هذه الحروب كانوا الذين إمتلكوا القوة النارية الأكثر أو الذين إستطاعوا أن يستغلوا لأقصى حد القوة النارية المتوفرة من أجل الفوز عن طريق حرب الإستنفاز – الحرب التي  برع فيها الجيش الفارسي. 

أن التغيَر الرئيسي الذي طرأ على هذه الحروب مقارنة مع الجيل الأول هو الإعتماد الكبير على القوة النارية سواء المباشرة أو غير المباشرة، وليس على عدد النفر والقوة العددية. وبالرغم من أن “الفكر” و”الطرائق” لعبت دوراُ فعّالاً في تطوير هذه التكتيكات إلا أن التكنولوجيا كانت هي المُحرَك الرئيسي. المدفعية الثقيلة والطائرات الهجومية، إضافة إلى الإقتصاد الصناعي القادر على توفير المعدات اللازمة وكسب الحرب الإقتصادية، هم من جعل من هذه التكتيكات حقيقة واقعية. وبالرغم من أن الكثير من المفاهيم القديمة – مثل الرُتب- قد تم الحفاظ عليها، إلا أن هذا الجيل قد أدخل الكثير من المفاهيم الجديدة أيضاً. فعلى سبيل المثال، “الفن العملياتي” الذي طوّره الجيش الفارسي أصبح جزء رسمي من هذه الحروب. 

ويعتقد الكثير من الخبراء أن هذا النوع من الفن العملياتي ما زال موجوداً اليوم.. وأنه لا زال يُعرِّف الطريقة الأمريكية للحرب. وكما يمكن مشاهدته في أفغانستان والعراق، الحرب بالنسبة للأمريكان هي لا شيئ سوى “وضع النار على الهدف“. وبالرغم من أن الطائرات الإليكترونية والقنابل “الذكية” قد إستبدلت المدفعية كمصدر للنار، إلا أن أمريكا، القوة العظمى، لا زالت تُفضَّل الحرب التي يَغلب فيها الأقوى.  

أن التغيَر الرئيسي الذي طرأ على هذه الحروب مقارنة مع الجيل الأول هو الإعتماد الكبير على القوة النارية سواء المباشرة أو غير المباشرة، وليس على عدد النفر والقوة العددية. وبالرغم من أن ”الفكر” و”الطرائق” لعبت دوراُ فعّالاً في تطوير هذه التكتيكات إلا أن التكنولوجيا كانت هي المُحرَك الرئيسي

أما الجيل الثالث فقد كان ناتج عن الحرب العالمية الأولى هو أيضاً. وقد تم تطويره من قبل الجيش الألماني، وهو ما يُعرف بالإنجليزية ب “Blitzreig” (بلتزرغ) أو الحرب المتحركة. ولم يعتمد التكتيك في هذا الجيل على القوة النارية والإستنزاف بل على السرعة والخاطفية والمباغتة والمفاجأة والحركة. أثناء الهجوم، يحاول الجيش من هذا الجيل أن يخترق العدو من الخلف وتدميره من الخلف إلى الأمام… بإستخدام طريقة “إلتَف ودمّر“. أما في الدفاع، فيحاول الجيش أن يجتذب العدو إلى المصيّدة. بكلمات أخرى، لم تعد المعركة خطيّة مستقيمة بعد الآن. 

أما التغيّر الحقيقي في هذا الجيل فهو أن “الفكر” هو الذي كان وراء إبتكار هذا النوع من الحروب. وبما أن الألمان أدركوا أنه لا يمكن لهم مضاهدة إقتصاد الحلف الغربي وصناعاته، فقد لجأوا إلى إبتكار طرق جديدة وتكتيك جديد. وقد إعتمد هذا التكتيك على الحركة أولاُ وليس على الإستنزاف، ثم، وخصوصاُ بسبب إبتكار الدبابة إيام الحرب العالمية الثانية، على الوقت وليس على المكان. 

كما تغّيرت الثقافة العسكرية في هذا الجيل، حيث أصبح الإهتمام والتركيز على “الطُرق” و “الكيفيات” وعلى المبادرات الفردية كما أصبح الإذعان والإنصياع الحر والإختياري يُحبذ على ذلك المفروض بالقوة. 

أنواع الجيل الرابع من الحروب

يُمكن أن نرى ممّا سبق أن هناك عاملين إثنين على الأقل يعملان كمُحرّك حافز فعّال لعملية التغيير والتطّور: الفكر والتكنولوجيا.

لقد عرّف الغرب طُرق الحرب لأكثر من 500 عام. وبما أن التكنولوجيا هي أحد أقوى ميّزاته وخصائصه ومُكوناته، فإنه من الممكن جداً أن تقوم التكنولوجيا الجديدة بفتح المجال أمام جيل رابع مختلف. قد تُمكِّن أسلحة الطاقة الموجّهة من تدمير منشآت لا يُمكن ضربها بالأسلحة التقليدية.. أو أن تستخدم الجيوش الإنسان الآلي والطائرات بدون طيّار والأسلحة الفضائية وتغيّر بذلك تكتيك اليوم بصورة جذرية. كما من الممكن أن تقوم الأجهزة المعلوماتية  الحديثة من تحويل الحرب إلى ما يسمى “حرب الشبكة المركزية” أو Network-centric Warfare. 

ويمكن أن تُستخدم” قنابل المنطق” و “فايروسات الكمبيوتر” لتعطيل الشبكات المدنية والعسكرية للعدو.. بل إنه يبدو أن هذه الحرب المعلوماتية قد بدأت بالفعل. وقد أضحت الأخبار التلفزيونية عنصر حربي مهم يساوي أكثر من كتيبة من المدرعات. 

هذا ولا شك أن أي جيل رابع سيحمل معه بذور التدمير النووي. وقد لا تضاهى نجاعة مثل هذا الحل في تغيير ميزان القوى.. كما يمكن لمثل هذا السلاح من أن يُثني من الحروب بين القوى النووية كما يُثني الحرب التقليدية بينهم اليوم. 

إلا أنه برأيي أن مثل هذا الجيل والنوع من الحروب المدفوعة والمُحرّكة تكنولوجياً ليس بالأمر الوارد. فهناك العديد من الأدِّلة المتوفرة حالياُ التي تُشير بأنه لن يمكن للنكنولوجيا الجديدة من تحقيق هذه القفزة. فأغلب التكنولوجيا الجديدة باتت مُعقدة جداً للإستخدام بفعاليتها القصوى أثناء فوضى المعركة. ولعّل القنابل “الذكية” والتي لم تكن ذكية بالمرّة هي خير مثال.

لقد نسيّ هؤولاء أن الحرب يُديرها الإنسان وإن فعّالية جميع هذه الأجهزة و الأسلحة هي فعّالية الإنسان الذي يُشغلها. بل أصبح الحال في الغرب اليوم مقلوباً رأساُ على عقب.. حيث باتت ”تكنولوجيا الممكن” هي التي تُحرك وتُدير التكتيك

لقد نسيّ هؤولاء أن الحرب يُديرها الإنسان وإن فعّالية جميع هذه الأجهزة و الأسلحة هي فعّالية الإنسان الذي يُشغلها. بل أصبح الحال في الغرب اليوم مقلوباً رأساُ على عقب.. حيث باتت “تكنولوجيا الممكن” هي التي تُحرك وتُدير التكتيك. وعليه، فإن التطور التكنولوجي - وبالرغم من جميع تحقيقاته المذهلة - لن يُنتج برأيي قوة الدفع المطلوبة.

أما جيل جديد من الحروب، ناتج عن تغيّر فكري جذري راديكالي، ففرص ذلك أكبر. لم يعُد الغرب يُهيّمن على العالم كما كان. وبما أن حقيقة المجتمعات غير الغربية، كالإسلامية والآسيوية، أنها لا تُتقن التكنولوجيا، فذلك لا شك سيدفع بها إلى تطوير وخلق طُرق مواجهة ودفاع جديدة تعتمد على إلإبداع والأفكار وليس على التكنولوجيا. 

ويعتقد الكثير من علماء الغرب أننا نشاهد اليوم المراحل الأولى من هذه القفزة وهذا التحوّل الجيو-سياسي الجذري. ويقول هؤولاء بأن بذور هذا التحوّل موجودة في “الإرهاب” (أضع كلمة إرهاب بين قوسين لأنه ليس من الواضح بعد تعريف ما يوصف بالإرهاب). وهذا لا يعني أن “الإرهاب”، كما يُعرّفه الغرب اليوم، هو جيل رابع من الحروب ولكن أن أجزاء منه قد تكون مؤشرات لجيل جديد غير معهود. 

خصائص الحرب غير-المتناسقة

إن هذا النوع من الحروب ليس بجديد على الإطلاق. إنها عودة الى طُرق الحرب قبل ظهور وصعود مفهوم “الدولة”. إنها إبداع خلاّق للماضي حيث يُهيّمن العامل الأخلاقي والمعنوي ويكون أكثر حيوية من العامل التكنولوجي.. و حيث تتحوّل عناصر القوة إلى ضعف ويُعاد صياغة معنى النصر والهزيمة. وتتحول بذلك  طبيعة المعركة وتصبح الأهداف ضرب مراكز القوة الإجتماعية-الإقتصادية والسياسية-الثقافية إضافة إلى تلك العسكرية. 

إن هذا النوع من الحروب ليس بجديد على الإطلاق. إنها عودة الى طُرق الحرب قبل ظهور وصعود مفهوم ”الدولة”. إنها إبداع خلاّق للماضي حيث يُهيّمن العامل الأخلاقي والمعنوي ويكون أكثر حيوية من العامل التكنولوجي..

بكلمات أخرى، يتحوّل التركيز في الحرب مرة أُخرى من الجهة الأمامية للعدو إلى الجهة الخلفية. تحاول الجيوش في هذا الجيل من الحروب إرهاق العدو من الداخل، فليس لديها القدرة من تحقيق تدمير واسع (لحد الآن على الأقل) وتحاول تحاشي نقاط القوة لدى العدو بالكامل. كما تتحوّل ساحة المعركة لتصبح مجتمع العدو كله، ويزيد التركيز على أهمية وحيوية المبادرات الفردية وعلى حجم الكتائب وسرعة الحركة لديها إصافة إلى الإكتفاء اللوجيستيكي والخبرة بالأرض والتضاريس.

كما لم تعد القوة العددية أو القوة النارية هي العنصر المُهيّمن بعد الآن. فقد تحولت قنبلة ال 500 طن الساقطة من السماء إلى حافلة مفخخة يقودها إستشهادي… حافلة ككل الحافلات.. ولا يحتاج قائدها إلى العودة إلى قاعدته بسلام. كما يتغاطى هذا النوع من الحروب عن أي معركة فاصلة وحاسمة مع العدو ويحاول أن يستغّل إدمان الغرب على التكنولوجيا.   

الخاتمة

يمكن تعريف الحرب غير-المتناسقة بأنها نوع من الحروب يحاول أن يحُّد ويُقوّض من عناصر القوة لدى العدو ومن إستغلال نقاط ضعفه بطريقة مُبدعة جديدة تُحقق الإنتصار الأخلاقي والمعنوي. إنها نتاج نهاية إحتكار سلطة “الدولة” للحرب وعودة الصراعات الثقافية والفكرية ونتاج العولمة (وخصوصاُ العولمة التكنولوجية). تُحارب معارك هذه الحرب في الجهة الخلفية للعدو، بإستخدام العمليات الحربية النفسية ووسائل الإعلام وعن طريق الإبداع الخلاّق للقدرات المتوفرة والتشتت والإتصال وتلافي المعركة الفاصلة، من أجل شل قدرات العدو وعزمه وإرادته. 

ومن المنظور التاريخي يُعد هذا النوع من الحروب شاذ وغير نظامي.. وذلك بسبب الفجوة الواسعة ما بين قُدرات وقوة وفلسفة الأطراف المتحاربة. ولأنها تعتمد على ضرب الأهداف الثقافية والسياسية إضافة إلى العسكرية… وعلى إرادة التضحية من أجل القضية. 

لقد سرح الغرب في عالم تكنولوجيته الخارقة و قنابله الذكية ولم يعُد يُدرك أن الإنسان والفكر هما جوهر الحرب والسبب الرئيسي لنشوؤها. فمهما أصبحت الحرب إليكترونية فستبقى من أجل الأرض والدم وسيبقى الهدف النهائي لها هو السيطرة على السكان

لقد سرح الغرب في عالم تكنولوجيته الخارقة و قنابله الذكية ولم يعُد يُدرك أن الإنسان والفكر هما جوهر الحرب والسبب الرئيسي لنشوؤها. فمهما أصبحت الحرب إليكترونية فستبقى من أجل الأرض والدم وسيبقى الهدف النهائي لها هو السيطرة على السكان. القنابل الدقيقة وأسلحة الفضاء والطائرات والصواريخ هي عنصر واحد من عناصر الحرب.. ولن تكفي السيطرة عليها وحدها.. فهي لن توفر الحل بأكمله. فلا بد من تواجد الجيش على الأرض وبين الناس للسيطرة عليهم وعلى مواردهم.

أمريكا تستطيع قتل الأبرياء بالقنابل والصواريخ، وتستطيع الإلتفاف حول المناطق السكنية وإحتلال البلاد الضعيفة بمدرعاتها وطائراتها بسهولة وسرعة فائقة.. إلا أنها في النهاية لن تستطيع السيطرة على الناس إلا بوجود جنود لها على الأرض. 

وبالرغم من أن طُرق المقاومة المسماة إرهابية تكاد تكون بدائية تكنولوجياً إلا أنها أثبتت مرة تلوة الأخرى أنها تستطيع أن تُشل قدرات الغرب الفائقة إستراتيجياً وتكتيكياً. ولعل مل قام به حزب الله في حرب 2006 خير مثال. والله أعلم.          

أضف إلى مفضلتك:
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google
  • Live
  • MySpace
  • Reddit
  • Technorati
  • E-mail this story to a friend!
  • TwitThis
  • Digg

ما رأيك؟ أضف تعليق!