تهافت الفقهاء: نحو إعادة بناء الفقه الإسلامي
بقلم: م. يحيى | فبراير 21, 2009

قد يستنكر الكثير من المتدينين وهامانات الإسلام عنوان مقالي هذا، ولعل إستنكارهم سيصبح عداء عندما ينتهون من قراءته! والإستنكار و العداء المرتقب سينطلقان من قاعدة أساسية عندهم تتركز في ما يُعتبر إساءة – بسبب إستخدام كلمة تهافت – إلى رموز الأمة العربية و حضارتها الإسلامية. والمشكلة بالطبع لا تتمثل بما قد إستخدمه من أوصاف و نعوت، بل هي أعمق وأوسع من ذلك بكثير: المشكلة الحقيقية و العويصة هي أننا لا نملك الحق على الإطلاق بأن نقول رأياً أو حكماً أو فكراً لحل مشاكلنا المعاصرة وبحث أمورنا اليومية والتخطيط لمستقبلنا، من دون أن يكون معياره وميزانه ومرجعيته آراء وأفكار ومعتقدات أهل القرون الغابرة – وخصوصاً الفقهاء والمصنفين.
|
المحتويات
|
وهذه المسألة تمثل طرفاً محورياً من المشكلة التي نحن بصدد مناقشتها. أما المسألة الثانية فهي “قدسية التراث” و”قدسية الثوابت” التي أقرّها هؤلاء الأبرار من الفقهاء ورجال الدين، وهو ما جعل الأمة العربية فريدة بين الأمم في تعلقها بحبال الماضي وصانعيه. فإذا قلنا: كيف تُساوى المرأة بالحمار والكلب؟! قيل: هذا ما نقله البخاري!! وإذا قلنا: كيف تكون الحكمة في الذكر الحكيم هي سنة رسول الله (ص) قيل هذا ما رآه الشافعي!! وإذا قلنا وقلنا قيل: من أنتم من هؤلاء؟؟!! فهم العظام ونحن الصغار وهم الفقهاء ونحن الدهماء وهم العمالقة ونحن الأقزام وهم الرجال ونحن أشباه الرجال! وإذا تمادينا ورفضنا ونقدنا وخرجنا عن نهجهم أُدخلنا دائرة الكفر والشرك والخيانة والعمالة والتآمر على الله والرسول!
المشكلة الحقيقية والعويصة هي أننا لا نملك الحق على الإطلاق بأن نقول رأياً أو حكماً أو فكراً لحل مشاكلنا المعاصرة وبحث أمورنا اليومية والتخطيط لمستقبلنا، من دون أن يكون معياره وميزانه ومرجعيته آراء وأفكار ومعتقدات أهل القرون الغابرة – وخصوصاً الفقهاء والمصنفين
والمشكل الرئيسي لا يكمن فقط في تحول هذا “التراث” – الذي تم إختزاله في الإسلام من أجل إضفاء صيغة القدسية عليه – إلى هوية تعبر عن عراقتنا وأصالتنا يمثل التخلي عنها وقوعاً في العدمية وتعرضاً للضياع، فيا ليت الفقهاء إكتفوا بذلك، بل إنهم رهنوا التطور والتقدم بإستيعاب ما أنجزه “الآخر” في مجالات المعرفة العلمية – وليس في تطوير الفقه ذاته – الأمر الذي يعني التعلم من الغرب الذي أول ما عرفنا عنه كان أنه الغازي المحتل لأراضينا والمستغل لثرواتنا وأوطاننا.
وهذا الوضع المعقد كتب علينا دون البشر كافة أن نسير إلى الأمام بينما يلتفت رأسنا إلى الخلف فلا نحقق التقدم ولا نقنع بالحياة التي ورثناها عن الأسلاف. ويظل السؤال قائماً: هل يمكن أن نحقق التقدم والتطور دون أن نتخلى عن هذا “التراث” المقدس المتمثل بالفقه الإسلامي؟
الإجابة عندي هي نعم! ولكن – وأضع خطيين عريضيين تحت كلمة لكن – لا بد برأيي من إعادة بناء مفهوم الفقه الإسلامي أولاً. وللقيام بذلك، لا بد من توافر الشروط التالية على أقل تقدير:
أولاً- تخليص الأمة من تقديس الأئمة
إن القراءة المتمهلة لكتب الأئمة، وعلى رأسها الصحيحان: البخاري ومسلم، تكشف أنها جميعاً حشد مسهب للسيرة النبوية، رغم أنها موزعة على الأبواب الفقهية. وحتى لو إفترضنا الصحة الكاملة المطلقة لصدور تلك الأقوال و الأفعال والموافقات – والدراسات الحديثة تثبت عكس ذلك – يبقى السؤال قائماً: هل يندرج هذا التراث كله – السنة النبوية – في مفهوم “الدين” المقدس أم أنه يجب تمييزه عن النص ذاته؟ إن إعتبار القرآن الكريم موحى ومقدساً لا يعني أبداً برأيي أن فهم آياته مقدس منزه، فالفهم مجهود وناتج إنساني بحت خاضع لعوامل مؤثرة عديدة مرتبطة بالزمان والمكان والأدوات اللغوية والمعرفية. ولكن المعضلة الأساسية اليوم تكمن في الخلط بين الموحى المنزل المقدس والفهم الإنساني المقيد المحدد الذي يمثله ما يسمى بالفقه الإسلامي.
ولكن المعضلة الأساسية اليوم تكمن في الخلط بين الموحى المنزل المقدس والفهم الإنساني المقيد المحدد الذي يمثله ما يسمى بالفقه الإسلامي
ولم تتوقف هذه القداسة عند تفسيرات النص الديني القرآني فحسب، بل تعدت ذلك إلى الأحاديث النبوية، فأصبحت كتب الحديث النبوي التي كتبها بشر مثلنا أصح الكتب بعد كتاب الله، حتى أنها سميت “كتب الصحاح” على الرغم مما فيها من أخطاء منهجية ودينية، وعلى الرغم من حقيقة إعتراف “علماء الحديث” المسلمين أنفسهم بأن ما لديهم من أحاديث يبلغ عددها سبعة آلاف، معظمها مكرر، قد تم إستخلاصه من بضعة مئات من الآلاف من الأحاديث الموضوعة (أي أن هناك مئات ألآلاف من الأحاديث الكاذبة!!)، وكذلك حقيقة أن الأحاديث التي إعتمدوها من كتب الصحاح لا يخلو كثير منها من الضعف البنيوي وأحاديث الآحاد، وهي أحاديث لا تلزم المسلم بشيئ.
ومن أجل إضفاء صفة القداسة المزعومة للأحاديث كان لا بد من تقديس النبي (ص)، وإزالة صفة البشرية عنه كإنسان قبل أن يكون رسولاً. فمن دون هذه القداسة لا يمكن أن يصبح كل فعل أو قول أو حتى صمت للنبي (ص) مقدس وواجب الإتباع، وهو ما لم يقله النبي (ص) بنفسه (بل قال لا تكتبوا عني غير القرآن…). وإلا، فإن علم الحديث الزائف هذا سيسقط بلا شك، خصوصاً وأن بناءه المعرفي هش جداً (فهو جاء بعد قرنين من زمن الرسول (ص) حيث توفي البخاري عام 256 هجرية) و يتضمن أحاديث متواترة ورواة مدلسين حسب إعتراف الفقهاء. وحيث أن هذه الأحاديث لم يتم أخذها من النبي مباشرة كما هي الحال في القرآن، كان لا بد أيضاً من إضفاء القداسة على رواة الأحاديث من الصحابة والتابعين وتابعين التابعين وتابعي تابعي التابعين، وذلك حتى لا يكون هناك مطعن في هذه الأحاديث. وبلغت المغالاة حدودها القصوى حين أعلن الإمام الشافعي أن السنّة قاضية على القرآن، وأنه لا بد من السنة لفهم القرآن.
فمن دون هذه القداسة لا يمكن أن يصبح كل فعل أو قول أو حتى صمت للنبي (ص) مقدس وواجب الإتباع، وهو ما لم يقله النبي (ص) بنفسه (بل قال لا تكتبوا عني غير القرآن…)
ومن خلال سلسلة القداسة هذه إكتملت الحلقة وبإحكام على العقل المسلم، بحيث أصبح مجرد الحديث عن مدى صحة هذه القداسة جريمة تتمثل في الردة عن الدين التي تصل عقوبتها حد القتل، الأمر الذي حال دون دراسة هذه الأحاديث دراسة نقدية، كما هو الحال مع الأحكام الدنوية الواردة في تفسيرات النص القرآني ذاته، مما فرض على المسلمين تقبل عشرات الأحاديث التي تتناقض مع القرآن نفسه، ومع العقل والعلم، بل والأخلاق التي تعارف عليها الناس (مثل حديث رضاع الكبير!!)، فأصبحت كالأحكام الدينية القرآنية، منفصلة عن الواقع وغير قابلة للتطبيق العملي، وفي نفس الوقت تملك قدرة ونفوذاً على العقل المسلم بحيث أصبح من المستحيل تجاوزها.
ثانياً- إعادة تحديد مجال الفقه وثوابته
والمشكلة بل الكارثة تأتي عندما يتولى الفقه قضايا إنسانية إجتماعية هي خارج مجاله، كحرية التفكير والرأي والإنتماء، والدخول في تفاصيل الإنسان الشخصية كإستعمال الحمام أو النوم أو الطعام أو الشراب وصولاً إلى العلاقات الزوجية والعاطفية، وكل ذلك بإسم الله وبإسم الشرع وبإسم الدين. وكُتب ومجلدات فقهاءنا الأبرار مليئة بكل هذا بالطبع. وكما قال خليل عبد الكريم “وسعتم خيمة النصوص فتعمقت هوة التخلف والنكوص” لأن النصوص مجالها العقيدة والعبادة والأخلاق. إلا أن فقهاءنا الأفاضل – وبوعز وبمساعدة وتشجيع السلطة السياسية المستبدة – أصرّوا بأن يتعدّوا ذلك إلى مجالات السياسة والإقتصاد والثقافة والفنون والآداب والإعلام والتعليم والعلوم الإنسانية بل والعلوم التجريبية مثل الطب، حتى يتم إرساء الإستبداد العقائدي والفكري والسياسي، فتولد الإرهاب والعنف وإزدادت التواكلية والقدرية والتسليمية وظهرت الخرافات والشعوذات والتوهمات. وكلها بلا إستثناء رفعت شعار الدين والإسلام الصحيح.
والمشكلة بل الكارثة تأتي عندما يتولى الفقه قضايا إنسانية إجتماعية هي خارج مجاله، كحرية التفكير والرأي والإنتماء، والدخول في تفاصيل الإنسان الشخصية كإستعمال الحمام أو النوم أو الطعام أو الشراب وصولاً إلى العلاقات الزوجية والعاطفية، وكل ذلك بإسم الله وبإسم الشرع وبإسم الدين
وهكذا فقد خلط الفقه بين المعاملات والأحوال الشخصية والعبادات والأخلاق، وجعل منها أمراً واحداً وأفاض فيها، رغم أن رسالة الدين الوحيدة هي إخراج المؤمن الصالح، أما الجوانب الأخرى من الحياة فهي موكولة إلى علوم دنيوية بحتة. ومن الإنعكاسات السيئة لحالة الخلط هذه أن أصبحت العبادات أكثر أهمية من المعاملات، بل أنها سمت عليها وتجاوزتها، مما أدى إلى إنفصال عالم العبادات عن عالم المعاملات. ففي حين تجد المسلم حريصاً كل الحرص على أداء العبادات، تجده يهمل عالم المعاملات وكأنه مقطوع الصلة بالعبادات، علماً بأن الهدف من الصلاة مثلاً يتمثل بكونها يجب أن تنهي عن الفحشاء والمنكر بحسب النص القرآني، لكن المسلم يؤديها عبادة من دون أن يمتد تأثيرها إلى المعاملات. وهذا ما يفسر ظاهرة إزدهار الدين في مظاهره الخارجية في مقابل إنهيار الدنيا المتمثل بإنتشار الرشوة والفساد الإداري وتدهور القيم على سبيال المثال.
وسندنا الذي نقطع به حجة المعاندين والمكابرين وهيئة المنتفعين بإخراج الإسلام من تلك الأماكن إلى عالم ليس عالمه هو الحديث النبوي – المقدّس! – ”فما كان من أمر دينكم فإلىّ وما كان من أمر دنياكم فشأنكم به، أنتم أعلم بأمور دنياكم“.
ثالثاً – التفرقة بين “سنة الوحي” و “سنة العبادات” وإعادة بناء قوانين إنتاج المعرفة
وفي سياق الحديث النبوي هذا، يجب أن نفهم أقوال الرسول (ص) الخاصة بوجوب إتباع سنته بأن المقصود بها أقواله وأفعاله الشارحة والمبينة لما ورد في القرآن. وما سوى ذلك من الأقوال والأفعال يجب أن يندرج في السياق الإجتماعي التاريخي، بمعنى أنها أقوال وأفعال غير ملزمة للمسلم في العصور التالية. هذه التفرقة بين “سنة الوحي” و “سنة العادات” كانت تمثل نقطة الخلاف الجوهرية بين “أهل الرأي” و “أهل الحديث” من الفقهاء، حيث أصر الفريق الأول على التمييز بينهما بينما أصر الفريق الثاني على التوحيد بينهما. وهذه المعركة لم تكن خلافاً فقهياً أو كلامياً فقط بل إنها تصب في صميم عملية صوغ قوانين إإنتاج المعرفة والثقافة الإسلامية.
يجب أن نفهم أقوال الرسول (ص) الخاصة بوجوب إتباع سنته بأن المقصود بها أقواله وأفعاله الشارحة والمبينة لما ورد في القرآن. وما سوى ذلك من الأقوال والأفعال يجب أن يندرج في السياق الإجتماعي التاريخي، بمعنى أنها أقوال وأفعال غير ملزمة للمسلم في العصور التالية
ولأن السيادة الفكرية والعقلية حُسمت لصالح أهل الحديث بفضل جهود الفقيه الشافعي الفاضل و مساندة السلطة السياسية المستبدة، فقد تم توسيع مفهوم السنة ليشمل الأقوال كلها، والأفعال كلها، والموافقات (الصريحة والضمنية) على أنماط السلوك والممارسات الحياتية في عصر النبوة. وهكذا، فقد تحددت قوانين إنتاج المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية على أساس سلطة النصوص، وأصبحت مهمة العقل مقصورة في توليد النصوص من النصوص السابقة. فإذا كان القرآن هو النص الأول والمركزي في الثقافة – لأنه إستوعب جميع النصوص السابقة عليه كافة – فقد تولد عنه نص “السنة” الذي تم تحويله – بفضل الشافعي كما سبقت الإشارة – من نص شارح إلى نص “مشرّع”. وعن هذين النصين تولد نص “الإجماع” – الذي صار نصاً مشرعاً أيضاً – ثم جاء “القياس” ليقنن عملية “توليد النصوص”!
وبعبارة أخرى، فقد أدى التوحيد بين “الدين” و”التراث” – المتمثل بالسنة – إلى إضفاء القداسة على ذلك التراث، وإلى تحويله من مرتبة النصوص الثانوية إلى مرتبة النصوص الأولية، وإقتصرت مهمة العقل على التكرار والشرح والترديد. وقد أدى هذا كله إلى قتل عوامل التطور والتجديد الفقهي وخنقها وإلى ركود الثقافة، الأمر الذي عزز بدوره ركود الواقع العربي الإسلامي المنتج لهذه الثقافة.
رابعاً – إعتماد مبدأ تاريخية النص
أخيراً، لا يمكن للفقه الأسلامي من التقدم والتطور إذا ما لم يؤمن القائمون عليه من الفقهاء بتاريخية النصوص وبضرورة ربطها بأسباب ورودها وبالفترة الزمنية التي ظهرت فيها وبالبيئة التي إنبعثت منها وبالمجتمع الذي ولدت فيه، بل وبالظروف الجغرافية التي واكبتها وبالدرجة الحضارية للمخاطبين بها وبمداهم المعرفي وأفقهم الثقافي، مع الأخد في عين الإعتبار أن النصوص ذاتها ذكرت صراحة أنها تتوجه إلى أمة أمية. كما لا بد أن يستغني الفقهاء عن قاعدة “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” المغلوطة لأن فيها إهدار للسبب وهو ما يحجب المدلول الحقيقي للألفاظ ويُغيّم ويشوش معناها الحقيقي، ومن ثم يجيء الحكم رجراجاً غير منضبط، وهذا أحد وجوه علل إختلاف الفقهاء وتناقض أحكامهم حتى في أخطر الأمور. وفي رأيي أن هذه القاعدة تدخل في باب الحيل الذي أتقنها الفقهاء الأبرار والتي يلجأ إليها أكثرهم، وإني أرى أن المعايير لن تضبط ولن تستقيم إلا إذا عدلنا عن هذه القاعدة ووضعنا أما أعيننا “السبب” عند تفسير النصوص.
أخيراً، لا يمكن للفقه الأسلامي من التقدم والتطور إذا ما لم يؤمن القائمون عليه من الفقهاء بتاريخية النصوص وبضرورة ربطها بأسباب ورودها وبالفترة الزمنية التي ظهرت فيها وبالبيئة التي إنبعثت منها وبالمجنمع الذي ولدت فيه، بل وبالظروف الجغرافية التي واكبتها وبالدرجة الحضارية للمخاطبين بها وبمداهم المعرفي وأفقهم الثقافي
والغريب بل و المضحك في الأمر أن يستغني السفهاء من الفقهاء عن مبدأ التاريخية، في حين أن النص ذاته (أي القرآن) أعلن ضرورتها عندما قرر سبحانه مبدأ النسخ: عبر إصدار حكم في وقت ما ليفي بغرض ما يحقق حاجة خاصة ثم تتغيّر الظروف ويستبين بجلاء أن بقاء الحكم وإستمراره فيه عسر ومشقة فيأتي نص جديد بنسخه وبحكم آخر فيه تيسير وفرج. فإذا كانت النصوص نفسها تتناسخ خلال عشرة أعوام هي عمر التجربة اليثربية أو المدنية، فكيف يمكن رفض مبدأ أو نظرية التاريخية؟؟
وعندما تقر النصوص نفسها مبدأ النسخ وتطبقه مئات المرات إبان عقد واحد من السنين (العهد المدني) ويرسخه ويؤيده شيوخ الإسلام وحُججه (مثل أبي جعفر النحاس وإبن سلامة وإبن بركات وإبن الجوزى والبغدادي) ويؤلفون فيه عشرات الكتب ويوردون الأدلة الدوامغ عليه، فكيف يتسنى التمسك بحرفية النصوص لمدة أربعة عشر قرناً ودون الإلتفات إلى أسباب ورودها والظروف الحافة بها وكافة الأنساق المعيشية التي كان عليها أول ما تلقاها شفاهة؟ أليس من صالح النصوص ذاتها (حتى تكون فاعلة في كل زمان ومكان) أن يقوم المخاطبون بها بالتمحيص والبحث والتدقيق في تلك الأمور جميعها، من أجل النفاذ إلى المغزى المقصود منها (أي النصوص) وتوظيفه حسب كل عصر ما دام هو الجوهر واللب والعُصارة؟؟
فعلى سبيل المثال: إذا كان الهدف في مسألة حجاب المرأة هو التمييز بين النسوة الحرائر و بين الإماء أي الجواري والإعلام للجميع بمكانتهن الإجتماعية ليكفوا عن التعرض لهن حسب قوله تعالى {ذلك أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}، و إذ أن البشرية قد توصلت إلى إلغاء الرق فلم يعد هناك جواري، و إذ لم يعد هناك إيذاء تتعرض له النساء بسبب لباسهن الطبقي (مثل ما كان آنذاك)، فهل يعد من المنطق التمسك بالحجاب إلا إذا أراد المرء الإلتفاف حول حرفية النص و إغفال مغزاه ومعناه ومقصده والهدف الذي يبتغيه!
والذي يثبت لنا كل ذلك هو المعرفة التاريخية بالواقع الإجتماعي آنذاك حيث التمايز الطبقي بين المرأة الحرة المسلمة والجارية، فجاء النص لعلاج مشكلة التفريق بينهن عبر تخصيص لباس و زيّ معيّن. وعليه فإن فهمنا اليوم لهذا النص هو فهم مغلوط يتعين الإسراع في تصحيحه وذلك حرصاً على النصوص ذاتها لأن صلاحها لا يمكن أن يستمر إلا بمعرفة المغزى الذي جاءت به. أما التشبت بالحروف والألفاظ فهو مثل التقديس الزائف للتفاسير والأحاديث، يجمد النصوص ويحجرها ويفصلها عن الواقع ويعطل ويكبل ويقيّد عمل العقل الإسلامي الذي يحرك دائرة التطور والتقدم.
أما التشبت بالحروف والألفاظ فهو مثل التقديس الزائف للتفاسير والأحاديث، يجمد النصوص ويحجرها ويفصلها عن الواقع ويعطل ويكبل ويقيّد عمل العقل الإسلامي الذي يحرك دائرة التطور والتقدم
وعليه، لا بد برأيي أن نبيّن للناس أن النصوص الأصلية التي هي عماد الدين وسنامه هي القرآن وسنة الوحي وما عداها فهو منتج بشري معرّض للخطأ والصواب، والقائلون به – بمن فيهم الرسول (ص) – رجال ونحن رجال على حد تعبير الإمام أبي حنيفة، هم إجتهدوا لزمانهم ومن حقنا أن نجتهد لعصرنا، فنحن أعرف به، ويجب أن تخضع كتاباتهم وآراؤهم للنقد والتمحيص والمراجعة فما وافقنا منها قبلناه و ما لم نقبله بدلناه ولا حرج في ذلك، لأن شل حركة العقل الإسلامي تحت رهبة القداسات الزائفة هو أحد أقوى الأسباب الفاعلة في إيصالنا إلى ما نحن فيه. وبالمقابل، فإن من أهم العوامل الفاعلة في تحرير العقل العربي الإسلامي هو تفكيك تلك القباب الزائفة وتعريتها وإظهارها على حقيقتها وكيف أن رصيدها من القداسة والعصمة هو في الحقيقية صفر في ميزان الإسلام الصحيح.
والله أعلم.













