آخر التدوينات »
الأكثر تعليقاً »

منظمة التحرير البديلة

بقلم: عبد الحليم قنديل | فبراير 14, 2009


رئيس المنظمة يقبل جندي إسرائيلي نعم، ثمة أصوات فلسطينية وعربية مخلصة إختلفت مع ما فهمته من تصريحات خالد مشعل ـ زعيم حماس ـ عن ضرورة بلورة بديل لمنظمة التحرير، وبدت القصة عاطفية إلى حد بعيد، وكأن تصريحات مشعل قد امتدت بالأذى إلى قدس الأقداس الفلسطيني(!).

ولم يسأل هؤلاء ـ ولا غيرهم ـ عن حقيقة أبسط، لم يسألوا: أين هي منظمة التحرير التي يدافعون عنها؟، فلا شيء عيني مجسد إسمه الآن منظمة التحرير، اللهم إلا لافتة باهتة معلقة على جدار، وموظفون يتقاضون رواتب ضخمة، وتكوين فوقي مهترئ إسمه اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أو ـ بالدقة ـ بقايا لجنة يترأسها محمود عباس الذي هو نفسه رئيس ما يسمى بالسلطة الوطنية الفلسطينية، وانتهت مدته ـ الانتخابية ـ قبل شهر، بينما توقفت إجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني ـ برلمان منظمة التحرير ـ منذ عشرين سنة مضت، وإنتهى وضع فاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير إلى وضع الموظف بلا عمل، وبعد أن أصبحت سلطة رام الله هي سلطة المال والتفاوض، بينما بدت منظمة التحرير كشبح خلفي يستدعي ـ أحياناً ـ لتبرير موبقات جماعة عباس.

وفي كل جولات الحوار الفلسطيني إلى الآن، كانت قضية إعادة بناء منظمة التحرير واردة، وهو ما يعني تسليم الكافة بغياب المنظمة، والتي جرى شطب ميثاقها مع عقد اتفاقات أوسلو، وهكذا لم تعد المنظمة قائمة لا بالميثاق ولا بالكيان ولا بالتأثير، ويصعب أن نتحدث عن منظمة التحرير بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني الآن، فقد صارت المنظمة لا شيء تقريباً، والكلام عن تمثيليتها الوحيدة يعني أن الشعب الفلسطيني يمثله اللاشيء، وأن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى بناء منظمة جامعة تمثل قواه وشرائحه، وحتى لو حملت ـ هذه المرة أيضاً ـ اسم منظمة التحرير، فالمطلوب بناء منظمة، وليس الدفاع عن منظمة كفت عن الوجود الفعلي من زمن طويل.

نهاية المرجعية

ولم تكن منظمة التحرير الفلسطينية شيئاً واحداً طوال تاريخها، فمنذ 45 سنة مضت، صدر قرار عربي بإنشائها، كان الراحل أحمد الشقيري أول رئيس لها، وكان القصد إعادة بعث الهوية الفلسطينية التي فقدت أرضها، وتحتاج إلى نوع من الوطن المعنوي، وإلى بلورة قضية تحرير وطني تحل محل صورة اللاجئين الفلسطينيين، ثم جرى تجاوز منظمة الشقيري إلى منظمة ياسر عرفات، واستمرت تحمل الإسم ذاته، وكان ذلك اعترافاً بحقائق إستجدت في مسيرة الكفاح الفلسطيني، فقد جرى إعلان حركة فتح ـ أواسط الستينيات ـ من خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وانتهت هزيمة 1967 إلى توليد منظمات وكيانات فلسطينية من قلب تنظيمات قومية عربية كانت قائمة، وكان أن تقدمت منظمات الحقائق الجديدة وقتها ـ مع فتح ـ لتملأ الإطار الفضفاض لمنظمة التحرير، وأصبح عرفات هو رئيس المنظمة، وبحكم أنه كان يترأس حركة فتح أوسع المنظمات تأثيراً وأكثرها شعبية، ثم جرى أول إنكسار سياسي في مسيرة المنظمة، وصادف إعتراف دول الجامعة العربية بها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، تمثل الإنكسار في التنازل عن هدف تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، والتسليم بدعوى إنحسار قضية الشعب الفلسطيني إلى مجرد إقامة كيان على الأرض الفلسطينية المحتلة في عدوان 1967، والتي كانت تابعة إدارياً وسياسياً قبل إحتلالها لمصر والأردن، ولم تكن هناك مشكلة وقتها ـ أواسط السبعينيات ـ مع مصر، فيما استمر التنازع مع الأردن لعشر سنوات لاحقة، وإلى أن جرى توقيع الإتفاق الأردني الفلسطيني في أواسط الثمانينيات، لكن المنظمة ـ مع ذلك ـ ظلت إطاراً تمثيلياً تقريبياً للشعب الفلسطيني في الضفة وغزة ومواضع الشتات اللاجئ، وإلى أن فرضت حقائق جديدة مع عقد إتفاق أوسلو من خارج إطار المنظمة، وتكون سلطة حكم ذاتي محسنة حملت اسم “السلطة الوطنية الفلسطينية”، وكانت تلك نقطة النهاية الفعلية لمرجعية منظمة التحرير، رغم بقاء إسم المنظمة على الورق، ورغم بقاء ياسر عرفات رئيساً اسميا لها، وهو الوضع الذي ورثه محمود عباس، وأطاح بفاروق قدومي من رئاسة فتح التي ظلت لوقت قصير جداً، وأصبحت المنظمة ـ الإسمية ـ حكراً لأسماء من نوع ياسر عبد ربه وصائب عريقات، وأصبح اسم المنظمة ظلاً باهتاً لسلطة رام الله التي تستقبل المعونات وتوزع المصاريف.

كيان ميت

منظمة التحرير ـ إذن ـ صارت أشبه بكيان ميت في ثلاجة حفظ الجثث، صحيح أنها لم تدفن بقرار إلى الآن، لكنها قتلت بقرار وبسبق إصرار وترصد، “انفصل النص عن الفص”، وبدت التحولات ـ خارج إطار المنظمة التاريخي ـ أكثر حيوية في الشارع الفلسطيني، فقد إنتهت حركة فتح ـ عصب المنظمة ـ إلى أزمة جمود وتيبس أعصاب، ولم يعقد مؤتمر تنظيمي عام لحركة فتح منذ أوائل التسعينيات، وتجمدت عضوية اللجنة المركزية، وتفشي فساد “السلطة الوطنية” ليعصف بأخلاقية فتح، وظل عرفات ـ ومن بعده عباس ـ يكرر وعداً مؤجلاً بعقد مؤتمر لفتح لم يتم إلى الآن، وانتهت القصة إلى اختناق وذبول تاريخي لمقدرة فتح، وهو ما بدا ظاهراً في انتخابات 2006، والتي لقيت فيها “فتح” هزيمة مروعة، فيما تقدمت حركة حماس التي أعلنت وجودها لأول مرة قبل عشرين سنة، وفي توقيت مقارب لعقد آخر مجلس وطني لمنظمة التحرير، وبدت حركة حماس كأنها ترث النفوذ القديم لحركة فتح، وبحيوية متدفقة في تجديد الرموز والقيادات، وبالدور الأكبر في عمليات المقاومة المسلحة بالداخل الفلسطيني، وبأخلاقية ظاهرة جعلت طهارة قيادات حماس مقابلاً معاكساً لفساد قيادات فتح المتنفذة، ثم جاءت حرب غزة الأخيرة لتؤكد أولوية دور حماس في الميدان، وتعطيها زخماً سياسياً مضافاً، وهو ما يعني أننا بصدد تحول جوهري لابد من أخذه في الاعتبار، ونحن نتحدث عن المنظمة، فحماس ـ ومعها الجهاد الإسلامي ـ خارج الإطار الإفتراضي للمنظمة إلى الآن، ودخول حماس والجهاد إلى المنظمة ـ لدى إعادة بنائها ـ يغير المعادلة كلياً، فخالد مشعل الآن في وضع ياسر عرفات بعد عدوان 1967، والشروع في إعادة بناء المنظمة ربما يجعل حماس عصبها التنظيمي، وهو ما يدركه عباس والذين معه، فهو يخشى إعلان نهاية دوره الذي إنتهى قبل أن يبدأ، يخشى من تجديد حركة فتح، كما يخشى من نفوذ حماس، ويتظاهر بالدفاع عن منظمة التحرير التي هدمها بنفسه.

وبالجملة، يبدو إسم منظمة التحرير عزيزاً في ذاته، لكن الكيان يحتاج إلى بث روح وإعادة بناء شاملة، وربما يصح أن تكون جبهة المقاومة والتحرير ـ التي دعت إليها حماس ـ طرفاً جوهرياً في إعادة بناء منظمة التحرير، وبشرط إجراء انتخابات لعموم الشعب الفلسطيني لتشكيل مجلس وطني.

©جميع حقوق النشر محفوظة للكاتب عبد الحليم قنديل 

أضف إلى مفضلتك:
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google
  • Live
  • MySpace
  • Reddit
  • Technorati
  • E-mail this story to a friend!
  • TwitThis
  • Digg

ما رأيك؟ أضف تعليق!