آخر التدوينات »
الأكثر تعليقاً »

نقد النقد

بقلم: م. يحيى | أبريل 10, 2008


لقد قلت سابقاً أن الصراع الحتمي هو صراع فكري، يتطلب منا إستخدام أساليب النقد العلمي من أجل دحض الأفكار المزوَرة وإثبات زورها بالحجة والعقل والمنطق. إلا أن النقد بذاته يحتاج إلى قوانين وقواعد وآداب يجب أن يلتزم بها الباحث الموضوعي حتى لا يتم تهميشه والتقليل من الأفكار التي يطرحها. وقد أدهشني بل قد أفزعني ما قرأته أمس من ردود وتعليقات على مقالات نشرها الصادق النيهوم في مجلة الناقد… وإليكم القصة.

لقد إشتريت منذ مدة غير بعيدة كتاب الصادق النيهومإسلام ضد الإسلام – شريعة من ورق“. ويقول الغلاف الخارجي أن “الإسلام الذي ورثناه عن أسلافنا ليس هو الإسلام الذي بشر به القرآن، بل نسخة ناقصة عنه ومشوهة صنعها الإقطاع على مقاسه…” وأن الكاتب يواصل في هذا الكتاب “نقده الجريء لكل الظواهر والأفكار السلفية ويدعو إلى إنقاظ الإسلام من عبودية التاريخ والفلسفة ليكسب المعركة الصعبة ضد الإقطاع والأصولية“. وبالرغم من أنني لم أقرأ لهذا الكاتب (المتخصص بالأديان المقارنة) من قبل إلاَ أن محتوى وعنوان الكتاب قد إجتذبني ورأيت فيه فرصة للتعرف على آراءه الناقدة للتراث. والكتاب هو عبارة عن ثمانية مقالات للباحث متبوعة بعدة ردود قام بنشرها كُتَاب عرب آخرون في مجلة الناقد إضافة إلى تعقيب للكاتب عليها…

ولم يتسنى لي قراءة هذا الكتاب سوى في اليوميين الماضيين حيث قرأت قرابة نصفه قبل أن أتوقف، لا لضيق الوقت أو لإنشغالي بأعمال أخرى، بل بسبب إشمئزازي لما قرأته من ردود الكتاب والباحثين العرب على ما طرحه الصادق. وأنا لست هنا بصدد الدفاع عن الكاتب، فأنا لا أتفق معه في كثير من الأمور. وعلى أية حال ليس هذا ما يهمنا هنا… إنما أردت أن أوجه النظر إلى مفهوم النقد العلمي وآداب الكتابة.

ويقول الكاتب في مقاله الأول”إقامة العدل أم إقامة الشعائر” أن القرآن “لا يفتتح نزوله بدعوة الرسول إلى القراءة” لأن الواقع أن كلمة ‘إقرأ‘ لا تعني فعل القراءة بل أصلها كلداني ومصدرها ‘ق ر ا‘ وتعني أعلن وجاهر ونادي وبلَغ، ومنها في العربية ‘يقرأ السلام‘ أي يبلغه. وعليه يؤكد الكاتب أن القرآن بدأ بتكلفة الرسول بإعلان الدعوة التي تمثلت في تصحيح مفهوم كلمة ‘الرب‘ بالذات، ودعوته إلى إصلاح خطأ جوهري في مفهوم الإله الواحد وتطهير إسم ‘الرب‘ من التحريف ” بعد أن أصبح المسيح يُدعى الرب والله أبو الرب، وذلك من أجل تحديد صفة الرب الواحد التي لا يشاركه فيها رب سواه.

كما يؤكد الصادق أن القصة المتداولة في كتب التفسير غير صحيحة لأنها مبنية على أن النبي كان أمياً، أي لا يعرف القراءة والكتابة، وهذه الفكرة بذاتها خطأ لأن كلمة أمي التي وردت في سورة الأعراف لَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ}- الأية 157، لا تعني ‘غير متعلم‘ وإنما هي “مصطلح توراتي مشتق من كلمة ‘ا و م ت ي ا‘ بمعنى ‘أممي‘ أي غير تابع لأهل الكتاب من اليهود بالذات”. وهو المعنى الذي تبناه القرآن حرفياً في آيات منها قوله تعالى في سورة آل عمران {..وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّين}- الأية 20. كما يستشهد بآيات أخرى مثل: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ}- سورة الجمعة الآية ويؤكد أن معنى تلى هو القراءة بصوت عال. ويستشهد كذلك الكاتب بإتهام قريش للرسول (ص) أنه يؤلف القرآن على أنه دليل بأن الرسول (ص) كان يتقن القراءة فهي “تهمة، كان من شأنها أن تبدو مستحيلة -ومضحكة- لو أن الرسول كان حقاً لا يحسن القراءة والكتابة” حسب قوله.

وبالرغم من أن الصادق لم يدعي على الإطلاق بأن القرآن مخلوق، إلا أن مجرد خروجه عن التفسير التقليدي لسورة العلق أقام الدنيا ولم يقعدها. وإليكم ما جاء في بعض مقالات الردود:

تحت عنوان ‘التفسير الأحمق‘ يقول محمد علي كيوه من تونس:

“وبدا لي أن صاحبه قد إتبع فيه أسلوب الدس والغش والمكر، ويظهر أنه نبش كثيراً في مزابل التاريخ”…

“وآلت العربية وآدابها على الدخلاء ممن تأصلت فيهم العُجمعة وفشت فيهم العصبية والتبعية الذليلة للأجنبي، وآن للجهل أن يبرز بإفرازاته <النيهومية>”…

“ويتجرأ في جسارة وقحة تحريف آيات القرآن تحريفاً مقصوداً”….

“ويستمر النيهوم في شذوذه وتطرفه بإنكار قضايا هي من ضرورات الدين فيتحامل على الفقه الإسلامي والفقهاء”…

“…مجرد التشكيك في الدين وفتنة أهله عنده والنقد البذيء لعلماء الأمة”.

واعجباه! تدَعي أنه يستخدم أسلوب النقد البذيء وأنت الذي تصفه بالوقح وبالغشاش والماكر والدخيل والذليل والشاذ.

أما يوسف محمد عوض من ليبيا فيتهجم على النيهوم شخصياً ويقول:

“ومن هنا يتبين لنا أن الكاتب إما مستشرق جديد يعلن عن نفسه. أو قلم موظف.”

“..إغتنى كل من نولدلة وكارل بروكلمان كما إغتنيت أنت الآن وما يؤسفنا أننا نعرف مصدر غناك الحالي”..

وما دخل ذلك يا يوسف في ما قاله النيهوم. أم أن دين الله للفقراء فقط!

بإمكاني إقتباس المزيد والكثير مما شابه ما سبق، تعليقاً على هذه المقالة وغيرها، ولكني والله إشمئزيت مما قرأت. وهذا ليس دفاعاً عن النيهوم كما قد يتوهم البعض، فله مثل غيره من المجتهدين – حسنة إن أخطأ وحسنتين إن أصاب. أم أن ُتكَفروه وتدَعوا ما ليس لكم به حق وتخرجوا بالحوار إلى تفاصيل جانبية تافهة لا علاقة لها بالموضوع وتتخلوا عن أقل آداب الكتابة، فهذا ليس نقد بل تعسف وتجريح وتكفير لا يقوم به إلا السفهاء من أصحاب الفقه!

وخير دليل على سفاهتكم يا فقهائنا العلماء أني لم أجد لكم كتباً أقرأها وأتعلم وأستفيد منها فأنا لم أسمع بكم على الإطلاق…أما الصادق فقد وجدت عنه معلومات كثيرة على الشبكة وكتب عديدة أخرى كلها تستحق القراءة.

وقد حضرني قوله تعالى: (..فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ)- الرعد 17. صدق الله العظيم.

أضف إلى مفضلتك:
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google
  • Live
  • MySpace
  • Reddit
  • Technorati
  • E-mail this story to a friend!
  • TwitThis
  • Digg

8 تعليق على “نقد النقد”

  1. مراد قال / قالت:

    الصديق العزيز، بداية أشكرك على مقالتك القوية و أشكرك أيضا على مجهودك في نشر الفكر الرفيع و النبيل لأصحاب الإجتهاد و خاصة الصادق النيهوم وننوه عنياتكم لكاتب يختص في هذا المضمار أيضا و هو االمفكر هشام جعيط.
    وشكراً!

  2. م. يحيى قال / قالت:

    شكراً عزيزي مراد على هذا التنويه وأتمنى أن أقرأ المزيد من تعليقاتك…
    مع المحبة. 

  3. رولا من فلسطين قال / قالت:

    تعجبني موضوعيّتك في تناول الأمور وطرحها بعيداً عن التعصب القبلي الأعمى، فهي تجدي لدى القرّاء مفتوحي الأذهان ومنطلقي الأفق وبعيدي النظرة، خاصة بما يتعلق في موضوع الوعي الديني للإسلام الحقيقي ومفاهيمه الأساسية.
    هنا يبدأ التغيير وللتغيير أبعادة الإيجابية وردّات الفعل السلبية كما لكل شئ آخر.
    لكنني أؤكد لك عزيزي بأن مسيرتك هذة تجذب كثيرين للبحث وخاصة مناهضي المعرفة والتغيير وتضعهم أمام مُساءلات صحيّة وصحيحه وتساعدهم للتحلّي بالجراءة لرفض المتاهات والمغالطات وبالتالي للخطوة الأولى لدفع المسيرة في مسارها الصحيح.

    فيا أخي زدنا….

    رولا من فلسطين

  4. م. يحيى قال / قالت:

    لا تعرفي يا رولا كم قد يُسعدني ذلك… فكل ما أسعى إليه من خلال مقطوعات هو توجيه النظر إلى هذه المُسائلات والمَتاهات والمُغالطات.
    يحيى

  5. مستر ميدو قال / قالت:

    للأسف الشديد أخي الكريم أنا ليبي وإن كان ثمة شخص يهمه الدفاع عن هذا الرجل هو أنا دونك.
    لكن هذا الرجل إنسان شديد الجرأة على الله وأسلوبك في الحديث عن الله عز وجل أقل ما يقال عنه وقح فلست أدري كيف تدافع عن رجل أوجد تفسيراً للقرأن لم يأتي به أحد قبله أم أن النيهوم في رأيك هو أعلم من أعلام أمتنا الإسلامية؟
    وبالنسبة لما تقول أنه مشهور على شبكة النت فأقول لك أخي الكريم قم بالبحث عن نانسي عجرام أو هيفاء وستجد عنهم من الكلام والمديح أضعاف أضعاف ما قيل في صادق أو غيره وليس هذا دليل.
    خلاصة القول الحكم على الشخص بكلامه وهذا الرجل وقح في حديثه عن الله تبارك وتعالى ولا أظن أن مسلماً يحبذ كلامه إلا إذا كان يوافقه الرأي.

  6. م. يحيى قال / قالت:

    أخي مستر ميدو،
    لا أعرف إذا كان من المفيد أن أرد على تعليقك هذا.. ولكن لعل وعسى! أولاً، فكما قلت في المقال أنا لا أدافع عن الكاتب… ولكني أردت توجيه النظر إلى آداب النقد. وهاك أنت كغيرك الكثيرين ترتكب نفس الخطأ…فحبذا لو وضحت لي لماذا تجد حديثي عن الله عز وجل وقحاً؟ ثم ما الخطأ في أن يأتي عالم معاصر بالجديد الذي لم يسبقه إليه أحد؟ أم أنك ترى أن تفسير السابقين معصوم من الخطأ؟ هل كان المفسرون أنبياء أم آلهة مقدسة برأيك؟ وهل تعتقد أنه يمكن لنا التطور إذا التزمنا بنفس التفسيرات البالية التي جاء بها السفهاء من علمائنا قبل مئات السنين؟

    ثم لعلك لم تفهم ما أقصد حين قلت أني “وجدت عنه معلومات كثيرة على الشبكة وكتب عديدة أخرى كلها تستحق القراءة“! الكلمات السرية في هذه الجملة هي “معلومات” و”كتب”… ذلك ما أبحث عنه في الإنترنت وليس عن هيفاء ونانسي كما يفعل أمثالك “المسلمين”!

  7. الأخ العزيزي قال / قالت:

    السلام عليكم،
    الأخ العزيز صاحب مقطوعات أريد أن أنوه لك أن الأخذ بالعلم يجب أن يكون بأخذه من مصادره الأساسية , يعني من الصعب جداً أن تأخذ علم الذرة عن مزارع فنان أو علم الطيران من طباخ ماهر، ومن إشتغل بغير فنة أتى بالعجائب، الصادق النيهوم متعلق بالأدب والشعر والقصص أكثر من تعلقة بعلوم الدين والقرآن والتفسير والحديث وغيرها، فأتى بالعجائب، وقولك أنه لاتوجد كتب كثيره تتكلم عن القرآن وتفسيره فهو خطأ بالغ في حقك يا عزيزي، المكتبات تعج بهذه الكتب وكلها كتب قد أتفق عليها جل العلماء بخلاف مايقوله النيهوم والذي لم يتفق معه سوى المستشرقين، نظرت كثيراً في كلام المستشرقين فرأيت تشابها كثيراً فيما يقوله النيهوم وغيرة ممن أنكر السنة النبوية أو قدح في التفاسير وبالتالي قدحه يصل إلى القرآن الكريم، هناك وكتب وعلماء كُثر ردوا على النيهوم وغيره لو بحثت لوجدت ولو أردت مساعدة في كتاب أو مبحث معين فأنا مستعد

    وفقتم للخير

  8. م. يحيى قال / قالت:

    أخي.. وعليكم السلام..
    لتصحيح تعليقك.. أنا لم أقل أنه لا يوجد كتب تتحدث عن القرآن وتفسيره.. فأنت مُصيب.. هناك المئات من هذه الكتب.. ويا ليتها لم تكن! فأغلبها إفتراء على الإسلام ورسوله!!
    فالرسول (ص) قال “لا تكتبوا عنّي غير القرآن ومن كذب عنيّ متعمداً فاليتبوأ مقعده من النار”..
    على أية حال، أنا لا أؤمن بالأحاديث الأموية ولا بإسلام الشافعي المزوّر الذي تؤمن به أنت.. ولا أعتقد أن الأحاديث التي نعرفها اليوم تُصلح بأن تكون جزء من الشريعة..
    هداكم الله..

ما رأيك؟ أضف تعليق!